هل حياة الرئيس عون في خطر ؟..قراءة في التسريبة الأمنية الخبيثة (ريما صيرفي)


في توقيت سياسي وأمني دقيقين، برز تسريب إعلامي إسرائيلي نقلته القناة 12، يتحدث عن “خطر محتمل على حياة رئيس الجمهورية”، ضمن صيغة “سُمح بالنشر”. وهذه العبارة في السياق الإسرائيلي تعني قراراً أمنياً بإخراج جزء محدد من معطيات تمت مناقشتها في دوائر رسمية، غالباً في إطار أوسع عُرض أمام مستويات سياسية وأمنية.
هذه الصيغة تطرح سؤالاً أساسياً: لماذا تمّ اختيار هذه الجزئية تحديداً؟ وما الرسالة التي يُراد تمريرها من خلال نشرها في هذا التوقيت، سواء تجاه لبنان، أو ضمن سياق إقليمي أوسع؟
في القراءة المهنية، مثل هذه التسريبات تُفهم كأدوات رسائل سياسية وأمنية مركّبة، يُستخدم فيها الإعلام كوسيلة غير مباشرة للتأثير أو توجيه الانتباه أو اختبار ردود الفعل.


في الداخل اللبناني.
نقلت مصادر في قصر بعبدا عن رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون أنه يتعامل مع هذه التسريبات ضمن إطار المخاطر الطبيعية المرتبطة بالموقع، من دون أن تشكل عاملاً يُثنيه عن أداء دوره أو عن الالتزامات التي تعهّد بها أمام اللبنانيين، خصوصاً في ما يتعلق بالملفات الوطنية ومسار المفاوضات.
لكن دلالة التسريب تتجاوز البعد الأمني المباشر. فالذاكرة اللبنانية لا تزال تختزن تجارب اغتيال رئيسين للجمهورية في لحظات مفصلية من تاريخ البلاد. فقد شكّل اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميّل عام 1982، في سياق الاجتياح الإسرائيلي والانقسام الداخلي الحاد، نموذجاً عن تداخل الصراع الداخلي مع العامل الإقليمي وانفجار موقع الرئاسة داخل معادلة الحرب.
ولاحقاً، جاء اغتيال الرئيس رينيه معوّض عام 1989، بعد أيام قليلة من انتخابه وفي مرحلة اتفاق الطائف، ليكون ضمن صراع سياسي على صيغة إنهاء الحرب وإعادة تشكيل السلطة، ما جعل موقع الرئاسة جزءاً من معركة سياسية مفتوحة على الرسائل والتوازنات.
ورغم أهمية هذا الاستحضار التاريخي، فإنّ إسقاطه على الواقع الحالي يحتاج إلى حذر شديد، نظراً لاختلاف الظروف السياسية والأمنية والتوازنات الداخلية والإقليمية.
من هنا، تكمن خطورة هذا النوع من التسريبات ليس فقط في محتواها، بل في وظيفتها المحتملة: إذ يمكن أن تُستخدم كأداة ضغط نفسي وسياسي، أو كوسيلة لإدخال عنصر التشويش إلى الداخل اللبناني، أو للتأثير غير المباشر على مسارات القرار والتفاوض.
في المقابل، يظهر الموقف الرسمي الهادئ من قصر بعبدا كعامل ضبط أساسي، يفصل بين الإجراءات الأمنية الطبيعية وبين أي محاولة لتسييس الخطر أو تضخيمه. وهو ما يعكس مقاربة تعتبر أن حماية الاستقرار لا تتحقق فقط عبر الأمن، بل أيضاً عبر منع تحويل التسريبات إلى أدوات تعطيل سياسي أو رسائل ترهيب غير مباشرة.
وفي المحصلة، يبقى هذا النوع من الأخبار اختباراً دقيقاً بين المعطى الأمني وبين توظيفه السياسي، وبين الحاجة إلى الحذر دون الوقوع في فخ التهويل أو الاستنتاجات المسبقة.