–
لم يعد التباين داخل السلطة اللبنانية يُدار خلف الأبواب المغلقة، بل خرج هذه المرة إلى العلن بوضوح غير مألوف، عبر رد مباشر من المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب نبيه بري على كلام رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بشأن اتفاق تشرين الثاني 2024 ومسار المفاوضات. فرغم الحرص الشكلي على تأكيد “الاحترام لمقام الرئاسة”، حمل البيان لهجة سياسية حادة، بلغت حد وصف كلام الرئيس بأنه “غير دقيق إن لم نقل غير ذلك”، في إشارة تتجاوز مجرد تصويب معلومة أو اختلاف في توصيف نص أو بيان.
هذا السجال يكشف في جوهره عن خلاف أعمق يتصل بإدارة أحد أكثر الملفات حساسية في المرحلة الراهنة: من يملك رواية ما جرى في تشرين الثاني؟ ومن يتولى إدارة التفاوض في الملفات السيادية والأمنية المرتبطة بالمرحلة المقبلة؟ وبين بعبدا وعين التينة، يبدو أن الاشتباك لم يعد على المصطلحات، بل على الصلاحيات، والأدوار، وحدود النفوذ السياسي داخل الدولة، في لحظة داخلية وإقليمية شديدة التعقيد.
البيان الصادر عن مكتب رئيس مجلس النواب نبيه بري يحمل أكثر من دلالة سياسية ودستورية، وهو ليس مجرد تصحيح لغوي أو تفصيلي. جاء ردّ بري بعد كلام الرئيس جوزاف عون أمام الهيئات الاقتصادية، حيث قال إن النص الأميركي الصادر بعد المحادثات الثلاثية في واشنطن هو نفسه النص المعتمد في تشرين الثاني 2024، وأنه “بيان وليس اتفاقًا” لأن الاتفاق يأتي بعد انتهاء المفاوضات.
ما الذي يعنيه رد بري عمليًا؟
- اعتراض مباشر على رواية رئاسة الجمهورية بشأن تفاهم تشرين الثاني 2024
عندما يقول بري إن كلام الرئيس “غير دقيق إن لم نقل غير ذلك”، فهو يلمّح إلى أن ما جرى في تشرين الثاني 2024 لم يكن مجرد بيان تقني أو نص أميركي عابر، بل تفاهم أو التزام سياسي تفاوضت عليه أطراف لبنانية محددة، وبري كان أحد أبرز المعنيين به، خصوصًا في ملف وقف إطلاق النار أو الترتيبات الحدودية.
بمعنى آخر: بري يرفض إعادة توصيف الاتفاق بطريقة قد تُخفف من مسؤوليته السياسية أو مسؤولية من وافق عليه. - خلاف على إدارة ملف المفاوضات مع الخارج
إشارة بري إلى “موضوع المفاوضات” تعني أن هناك خلافًا أعمق من مجرد توصيف نص. المسألة تتصل بمن يدير التفاوض: • هل الرئاسة تتولى المقاربة السياسية الجديدة؟
• أم أن بري، بحكم دوره التقليدي وقنواته المفتوحة مع الوسطاء الأميركيين والدوليين، لا يزال يعتبر نفسه المرجعية الأساسية في هذا الملف؟ يوحي هذا بوجود تنازع صلاحيات سياسي غير معلن بين بعبدا وعين التينة حول الملف التفاوضي، خصوصًا إذا كان مرتبطًا بإسرائيل، التهدئة، أو ترتيبات ما بعد الحرب. - رسالة داخلية: بري يرسم حدودًا للرئيس
صياغة البيان مهذبة في الشكل (“مع الاحترام لمقام الرئاسة”) لكنها قاسية في المضمون. في العرف اللبناني، هذا النوع من البيانات يعني:
“نحترم الموقع، لكننا نرفض أن تُبنى سردية سياسية أو تفاوضية من دوننا أو على حسابنا”.
أي أن بري يبعث رسالة مفادها أن ملفات بهذا الحجم لا يمكن حسمها أو تفسيرها منفردًا من قبل الرئاسة.
- مؤشر على توتر سياسي آخذ بالتصاعد
صدور بيان علني بهذا المستوى ضد رئيس الجمهورية ليس تفصيلًا. هذا يعكس أن التباين انتقل من الكواليس إلى العلن، ما قد يعني: • تعثر أو خلاف داخل السلطة بشأن المفاوضات غير المباشرة أو الترتيبات الأمنية؛
• أو ضغط خارجي كبير يدفع كل طرف إلى تثبيت روايته وموقعه قبل أي استحقاق مقبل.
بيان بري هو عمليًا نزع شرعية عن توصيف الرئيس لمسار تفاوضي حساس، ورسالة بأن ملف تشرين الثاني 2024 والمفاوضات ليس ملفًا محسومًا داخل الدولة، بل لا يزال موضع صراع على السردية، الصلاحية، وربما على القرار نفسه.
بكلمات أبسط: الخلاف هنا ليس على كلمة “بيان” أو “اتفاق”، بل على من يملك رواية ما حصل، ومن يملك حق التفاوض باسم لبنان الآن.



