.
ما أجمل أن يقف الإنسان على أرضٍ طيّبة، تُنبت المحبة فعلاً، وتحوّل الكلمة نوراً يُهتدى به. هناك، لا تعود النصوص مجرد حروف، بل تصير حياةً تُعاش.
هكذا تبدو قراءة تعاليم السينودس الأخير لمن يقترب منها بقلب المؤمن: ليست مروراً عابراً، بل وقفة صادقة بحثاً عن كنيسةٍ نقية، كما أرادها المسيح.
ومن هذا المنطلق، يطلّ الحكموي الأخ والصديق المحامي فادي إبراهيم، وقد عُيّن مستشاراً قانونياً لمجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، حاملاً معه خلاصة مسيرةٍ من القيم والخبرة. لا ليحتفظ بها لنفسه، بل ليجعل منها نهجاً واضحاً: محاسبة الذات قبل محاسبة الآخرين، مبدأً يؤسّس لعملٍ كنسي مسؤول.
في تأمله العميق بتوجيهات السينودس لكنيستنا المشرقية، يستخرج زاداً للروح وميثاقاً للعمل، عملٌ لا يساوم على الشفافية، ولا يقبل أن يكون الصمت بديلاً عن الحقيقة، ولا يتردد في تنقية الجماعة مما يشوّه رسالتها.
وأمام هذا الغوص الصادق، لا يبقى إلا أن يُقال بوضوح:
نعم للشفافية.
نعم للمحاسبة، ذاتيةً وعامة.
نعم لكنيسةٍ تطهُر بحزمٍ وتحبّ برحمة،
لتبقى للعالم أيقونة إيمان، وأمانةً للعهد، ورسالةً وطنيةً تليق بها.
كنيسة طاهرة.. بقلب ثابت
قراءة في “الوثيقة الختامية” لسينودس الأساقفة في الفاتيكان، ( أكتوبر 2024)
بقلم المحامي فادي إبراهيم
نحن المؤمنون بكنيسة المسيح، مدعوّون لعملٍ ثابتٍ وجَلَدٍ لا يعرف التردد.
جاء أوانُ التطهير، أوانُ أنْ نُخرج من الخدمة مَن يتخذون الظرفَ الحرجَ سُلَّمًا إلى سيرتهم الخبيثة.
فلنُبعدهم بلا خوف، فما نحن بظالمين، بل حُمَاة “الإخوة الصغار”، وحُرَّاس كرم الرب الذي لا يُمتهن.
“استكينوا، واعلموا أني أنا الله” –(مزمور 46: 10)
ليست هذه الآية دعوةً إلى التطرّف والانتقام، بل هي وقفةُ حقٍّ تسبقُ فعل الحق.
فالاستكانةُ لله تمنحنا الجرأةَ على التطهير باسمه.
يذكرنا السينودس الأخير (2024) ، وإنْ بصياغةٍ أُخرى أنه لم يأتِ ليكتب قوانينَ جديدةٍ فحسب، بل ليردَّنا إلى روح السينودسية النابضة:
كنيسة تُصغي، تشارك، وتُميِّز بروح القُدُس.
ومن ثمار هذا التمييز الصادق أن نعرف متى نُبعد لنُطهِّر، ومتى نُرفق لنُصلح.
عُقد السينودس في خريف أكتوبر (2024)، وأصدر وثيقةَ ختامية حملت عنوانًا كبيرًا: “ لكنيسة سينودسيَّة: شركة، مشاركة، رسالة”.
لم يأتِ السينودس بنظريةٍ جديدةٍ، بل بقلبٍ ينبض: “كونوا كنيسةً تسيرون فيها معًا، لا خلف بعض ولا فوق بعض”.
أبرزت الوثيقة ركائز ثلاثة كالجمر:
أولاً: السينودسيةُ ليست اجتماعاتٍ تَمر، بل أسلوبُ حياةٍ يُقيم. الكنيسة مدعوةٌ أن تكون بيتًا مفتوحًا، وشعبًا يصغي بعضه إلى بعض، ويصغي الجميع معًا إلى الروح القدس. وهذا الإصغاء، إن صدَق، أخرجنا من رمادِ الرتابة إلى نارِ حيوية الرسل الأوائل.
ثانيًا: الشفافيةُ والمحاسبةُ ومحاربةُ التسلط. نادت الوثيقة بجرأةٍ لم نألفها: دعت إلى تقاريرَ ماليةٍ سنويةٍ مدققة، وتقييمٍ دوريٍّ للخدام، وكسرِ ثقافةِ السيطرة. وقالت بلا لفٍّ ولا دوران: “لنقل لا للإساءات، بل لنقل لا بكل حزمٍ لكل شكل من أشكال التسلط”.
ثالثًا: الانحيازُ للفقراء، والمُهمَّشين، وضحايا الإساءات. وهذا من صميم عملنا الكاريتاسي. لم تتحدث عنهم الوثيقة كأرقامٍ أو حالات، بل كأعضاءٍ في الجسد الكنسي، لهم صوتٌ يُسمع، ولهم كرامةٌ تُصان. ودعت إلى إصغاءٍ خاصٍّ لضحايا الإساءات ( جنسيةً كانت، روحيةً، سُلطةً، اقتصاديةً) وإلى طريقٍ للشفاء والمصالحة.
وما أثارني أكثر أن السينودس لم يكتفِ بالمواعظ، بل وضع مقترحاتٍ عملية: مراجعة القوانين التي تجعل من رأي العلمانيين ليس “استشاريًا فقط” ليصبح أكثر إلزامًا، وتفعيل المجالس الرعوية المحليّة، وفتح المجال أمام النساء في مناصبَ قياديةٍ أوسع. هذا طلبٌ جريءٌ، بكل المقاييس.
هلمَّ أيها الروح القدس، أرسل من السماء شعاع نورَك، لنخدم بنقاوةٍ وحزم.
كنيسةٌ غائبة عن الحدث، هي كنيسة تفقد بركتها.
لكن كنيسة تُطهِّر بحب، تنطلق في رسالتها الى أقوى وأعلى.
تعاليم السينودس تدعونا لأن نكون كنيسةً واقفةً على الحق،
لا تخشى أن تقول لمن أفسد الخدمة، كما قال المسيح: “”اِبْتعدوا عنّي يا فاعِلي الإِثْمِ ” (متى 7: 23)
. هكذا نحمي إخوتنا هؤلاء الصغار، ونصون الكرامة.



