هذه الصفحة غير غيرها وعذراً على الإطالة. وهي إعادة لمقال كتبته يوم وفاة الرئيس السابق لمجلس النواب الصديق كامل الأسعد غداة 26 تموز 2010 .
عندما آثر كامل الأسعد الإبتعاد عن السياسة اللبنانية “لأنني غير مقتنع بالكثير مما يجري هذه الأيام، وأفضل أن أكون في موقع المراقب”، بدا كأن مرحلة من مراحل التاريخ اللبناني ما بعد الإستقلال أَفـَلـَت، مع أفول أحد نجوم الحياة البرلمانية التي تركت بصماتها عليها عشرات الأعوام ، بل النصف الثاني من القرن العشرين.
وكامل الأسعد الزعيم الشيعي الوائلي إبن أحمد بك الأسعد زعيم الجنوب لسنين طويلة، تمكن بقوة شخصيته المحببة أن يحافظ على تلك الزعامة التي بناها والده في بيئة عرفت آنذاك منذ ما قبل الإستقلال زعامات تخطت مناطقها خصوصاً مثل عائلات الزين وعسيران والخليل (كاظم)، لتشارف مساحات الوطن من خلال التحالفات السياسية الكبيرة عبر الكتلتين الوطنية والدستورية ثم عبر “النهج” و”الحلف”، وصولاً الى مرحلة الوجود السوري ، مع كل ما عرفه لبنان من مد وجزر ، واجتياحات وانسحابات.
وكامل بك من مواليد الطيبة ـ قضاء مرجعيون عام 1932 ، وثمة من يؤكد تكبير عمره ليتمكن من الترشح عام 1957 بعدما يكون بلغ الخامسة والعشرين، وفعلاً تمكن الشاب كامل من الترشح وفاز وكانت النيابة الأولى له، والأهم منها أن هذه الدورة النيابية جمعت تحت قبة البرلمان النائب أحمد بك الأسعد ونجله النائب الشاب كامل الأسعد الذي أصبح بعد عشر سنوات (1964) أصغر رئيس لمجلس النواب (32 عاماً).
وكامل الأسعد هو الإبن الوحيد لأحمد الأسعد وله شقيقتان الأولى متزوجة من الرئيس الراحل صبري حمادة، والثانية متزوجة من السفير الفلسطيني أسعد الأسعد.
تلقى كامل الأسعد علومه الإبتدائية والثانوية في مدرسة الحكمة في بيروت، ثم نال إجازة في الحقوق من معهد الحقوق في جامعة القديس يوسف في بيروت ، وانتقل على الأثر الى باريس حيث نال ديبلوم دراسات عليا في الحقوق والعلوم السياسية والإدارية، حتى إذا عاد أنشأ مكتباً للمحاماة وبدأ العمل السياسي.
ولأن والده كان الزعيم الأول في الجنوب وأراد إثبات قوته أكثر فأكثر، رشّح نجله “الأستاذ كامل” عام 1957 عن دائرة مرجعيون بعد تكبير عمره ثلاث سنوات ، وفاز ، وفاز ثانية عام 1960 مع والده، الأول عن دائرة مرجعيون والثاني عن دائرة بنت جبيل. كذلك أعيد انتخابه في الأعوام 1964 ( مع معظم مرشحيه في الجنوب، وحصل على أكبر كتلة نيابية جنوبية في مواجهة المكتب الثاني (مخابرات الرئيس فؤاد شهاب)، و1968 ثم في مجلس 1972 وهو المجلس الذي “عاش” 20 عاماً ممدداً لنفسه بسبب ظروف الحرب.
ثمن 17 أيار
وخلال نيابته التي استمرت 35 عاماً من دون انقطاع على رغم أن “سيف الإسقاط” لم يوفر أحداً في تلك المراحل من أركان الموالاة والمعارضة، مروراً بالرئيس كميل شمعون والزعماء والنواب البارزين العميد ريمون إده وكمال جنبلاط وكاظم الخليل ، فقد تمكن النائب كامل الأسعد ابن الدوحة الأسعدية وسليل العائلة الوائلية، من الفوز برئاسة مجلس النواب أكثر من مرة من 1964 الى 1984 ( من أيار 1964 الى تشرين الأول 1964 ، ومن أيار 1968 الى تشرين الأول 1968 ، ثم من تشرين الأول 1968 الى تشرين الأول 1971، ثم من تشرين الأول 1971 الى 15 تشرين الأول 1984) ، وفي ذاك العام دفع الرئيس الأسعد ثمن إقرار مجلس النواب إتفاق 17 أيار 1983 الشهير الذي أقرته الحكومة على اعتباره “إتفاق إنهاء الإحتلال الإسرائيلي للبنان”، من دون التزام صلح كما يؤكد موقّعوه، وهو اتفاق حصل على تأييد كل الدول الأجنبية والعربية التي زارته وفود وزارية موفدة من الحكومة ، وعارضته سوريا. ويومها انتخب الرئيس حسين الحسيني رئيساً للمجلس. ومنذ ذلك الوقت ابتعد الرئيس الأسعد شيئاً فشيئاً عن الساحة السياسية وسافر الى نيس في فرنسا حيث أسس مكتباً للمحاماة، قبل أن يعود مجدداً الى لبنان عام 1987 على أمل الإنطلاق مجدداً، إلا أن “الأرض” كانت تغيّرت مع بروز حركة “أمل” وبدء بروز “حزب الله”، ولو أن قاعدتيهما لا تبعدان كثيراً عن القاعدة الأسعدية إن لم تكن كل منهما انطلقت من هذه القاعدة.
والى نيابته ورئاسته مجلس النواب مراراً ، و تنافسه مراراً أخرى على الرئاسة مع صهره الرئيس صبري حمادة، فقد تولى الوزارة مرتين الأولى من عام 1961 الى 1964 عندما تولى وزارة التربية ، والثانية وزارة الصحة والموارد المائية والكهربائية من 10 نيسان 1966 الى 2 كانون الأول 1966.
و”كامل بك” كما يصر مؤيدوه على تسميته حتى في أحلك الظروف التي مر بها، تزوج من غادة الخرسا وأنجبا أحمد مؤسس تيار “الكفاءات” ثم “لقاء الإنتماء اللبناني”، ومهى وايمان ، وبعد طلاقه منها أسس “حركة التوعية” قبل أن يؤسس مع مجموعة من رفاقه في “السراء والضراء” أنور الصباح ومنيف الخطيب وحميد دكروب حزباً ويخوض معهم انتخابات الجنوب بعد اتفاق الطائف الذي آثر عدم المشاركة فيه وعزف عن التوجه الى المملكة العربية السعودية التي استضافته وأشرفت على وضعه وإقراره وتنفيذه مدعومة من “كل العالم”، ولكنه لم ينجح في وجه تحالف “أمل” ـ “حزب الله” ولو أنه حصد أصواتاً برهنت أنه “موجود”.
وعندما تتحدث عن كامل الأسعد تعود الى الذاكرة مرحلة الصراع الأقسى بين الشهابية والمعارضة التي كانت تضم أحزاب الكتلة الوطنية والوطنيين الأحرار والكتائب (لفترة قصيرة)، “وتكتل الوسط” الذي أسسه الرئيسان الأسعد وصائب سلام والنائب سليمان فرنجية، ثم “الكتلة الشعبية” برئاسة النائب جوزف سكاف والنائب سليمان العلي ونسيم مجدلاني وغيرهم، كذلك تعود الى الذاكرة معركة الرئيس سليمان فرنجية الذي تمكّن من اضافة نائب على النواب الـ 49 الذين حصل عليهم العميد ريمون إده ليرسو عليه إجماع “الحلف الثلاثي” و”تكتل الوسط” والحلفاء لأن المسألة مسألة أصوات، ويفوز فرنجية برئاسة الجمهورية في يوم مشهود مستفيداً من نائب الكورة فؤاد غصن الذي تمكّن من “إقناعه”، كان من بين أبطاله الرئيس الأسعد وصهره رئيس المجلس آنذاك صبري حمادة الذي لم يشأ إعلان الفوز بأكثرية 50 صوتاً لفرنجية في مقابل 49 صوتاً للياس سركيس، فأعلنه نائب رئيس المجلس الشمعوني ميشال ساسين بعد “زعبرة” من العميــــد اده عندما شك في تصويت أحد أعضــاء حزبه ، فوضــع ورقتــين ( ليصبح عدد الأوراق في الصندوق مئة ورقة والمنتخبون 99 ) وأعيد الإنتخاب وكانت فيه عينا العميد “عشرة عشرة”على النائب المشكوك في تصويته.
و… ثمن انتخاب بشير
وعام 1976 ترأس الأسعد جلسة انتخاب الرئيس الياس سركيس التي خسر فيها صديقه ريمون اده بإيحاء من الموفد الأميركي دين براون ـ الذي كان يريد شحن اللبنانيين في البواخر لتوطين الفلسطينيين .
ولعل الموقف الأبرز الذي طبع حياته السياسية كانت رئاسة الجمهورية عام 1982، عندما دعا الرئيس الأسعد الى انتخابات في ثكنة شكري غانم في الفياضية وفاز فيها الرئيس بشير الجميل ب 57 صوتاً في الدورة الثانية بعدما عملت جهات عدة على توفير النصاب الذي كان 62 نائباً (بدل 66 ) بسبب عدد الوفيات في المجلس، في حضور النواب فؤاد لحود وسليمان العلي وطلال المرعبي وإميل روحانا صقر. علماً أن انتخاب بشير وإلباس الأسعد مسؤولية تمرير مجلس النواب إتفاق 17 أيار، جعلت الزعيم الوائلي يدفع ثمن “تمرّده” على سوريا وتحديداً على الرئيس حافظ الأسد الذي طلب منه عدم إيصال بشير الى الرئاسة. علماً أن حجة الأسعد كانت “انتخاب رئيس بأي ثمن منعاً للفراغ”.ثم انتخب شقيقه الرئيس أمين الجميل خلفاً له بإجماع لبناني وعربي ودولي واضح.
وكامل الأسعد “شيخ الشباب” في المجلس لم يكن يضاهيه في “نجوميته” إلا العميد ريمون اده والرئيس رشيد كرامي والرئيس رينه معوض والنائب نصري المعلوف، وجميعهم من رواّد فندق “السان جورج” في عين المريّسة ، الذي كان يجمع “نخبة القوم” نساء ورجالاً متزوجين و”أحراراً” على البيسين الأغلى، وكان ملكي “الأحرار” الرئيس كرامي والعميد إده… سقى الله أيام زمان!
وتعرض الرئيس الأسعد لمحاولات اغتيال في يحشوش عام 1981 ، ثم لدى تهديم المنظمات الفلسطينية منزله في الطيبة عام 1987 وبعدها قصف الطيران الإسرائيلي المنزل عام 1988 ،واعتراض سيارته على معبر العجة بين البربير والمتحف عام 1988 بينما كان متوجهاً الى منزله في بعبدات في سيارته “رولس رويس” وتدخل القوات السورية لحل المشكلة لما لجأ الى منزل صديقه النائب أنور الصباح في “الغربية”.
أحد اصدقائه وحلفائه في جزين النائب والوزير السابق ادمون رزق يقول”أن الأسعد كان لبنانياً أصيلاً ووطنياً في الصميم ، ومدمن حرية ، وصاحب عنفوان وكبر الى حدود الكبرياء. لايساوم على مبدأ هذا الصاحب المواقف الصامدة. كان جريئاً في مواجهة الخطأ والعدوان ، شجاعاً في التعبير عن الرأي مؤمناً بالعيش المشترك وملتزماً الميثاق، مترفعاً عن الطائفية والمذهبية ويشارف الإنسانية،مشبعاً بتراث الأدب العربي ومناخ الإستقلال “. ويضيف:”كان رئيساً ممتلئاً من نفسه ،برلمانياً راقياً يفرض نفسه بالعلم والقانون والحس السليم، كان مرجعاً وضماناً، ومن رموز الرجولة ولإخلاص والوفاء يديبن له لبنان بعدم حصول فراغ في رئاسة الجمهورية عام 1976 ثم عام 1982 ، وهذا الموقف جعله يدفع العقاب”.ويخلص: “كان كامل الأسعد عملاقاً لبنانياً إذ لم تقتصر عملقته على الجنوب”.
موقف يشهد له
وكامل بك على رغم خلافاته السياسية ترك في نفوس أخصامه احتراماً قل نظيره، ولعل الموقف الأبرز كان من الرئيس نبيه بري الذي حرص ــ ولو نظرياًعلى تأكيد احترام الرئيس السابق عندما أصر في “موقف معين” يشهد له ، على عدم التعرض لهذا الزعيم الوائلي بل التمسك بكل ما يوفر له الإحترام. ومثله كان موقف نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي اللأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان.
موقف يشهد للرئيس بري فيه. ولو أنه من باب الصداقة مازحني يوماً إذ قال لي أن المحامي نبيه بري زاره في إحدى الدورات اإنتخابية على رأس وفد شيعي جنوبي وقال له “عندي 4 آلاف صوت” فرد الأسعد بشيء من التعالي:” خدني معك”.
ونجح الأسعد وخسر بري.
والرئيس الأسعد صاحب موقف “الإستئناس” الذي لم يسبقه إليه أحد، زار الرئيس فؤاد شهاب عام 1964 في عز أيام الشهابية، ليستأنس برأيه في موضوع التجديد وكان الرئيس السابق يطمح بتشجيع من مؤيديه الى التجديد، ولكن الرئيس الأسعد “استـأنسه” ولم يشجّعه … والرئيس لم يقبل بأن يقول لرئيس مجلس معارض له أنه يريد التجديد. و… حمل الرئيس الأسعد الـ “عدم التحمس” الى النواب … وطار التجديد.
كامل بك نعاه يوم وفاته إلى الشعب اللبناني رئيس مجلس النواب نبيه بري ، كذلك نعاه الرئيس السابق للمجلس حسين الحسيني ونائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى الشيخ عبد الأمير قبلان، مثنين على مزاياه.
كامل الأسعد الذي عرفته عن كثب التقيته مرات وحظيت بصداقته، كامل الأسعد الزعيم الوائلي ورجل الإستئناس وصانع الرؤساء توفي يوم الأحد 25 تموز 2010 ، من دون أن يرحل. وشيع في مسقطه بلدة الطيبة يوم الثلثاء 27 تموز ودفن في محيط مقام السيدة زينب في دمشق حيث ترقد والدته.
خبر عاجل
-
آسيوية سانيا الشاطئية 2026
-
الغارتان على الطيري
-
سلة:بطولتا الدرجة الأولى تُستأنفان في 15 أيار للسيدات و22 ايار للرجال
-
كامل الأسعد الزعيم الوائلي ورجل “الإستئناس” وصانع الرؤساء (حبيب شلوق)
-
جاورجيوس كان فلاحا محاربا من هذه الارض. وباستشهاده رسم وجه مسيحه في كل حنية في هذا العالم وذلك العالم. بعيده نستذكر كل قيمه. كل عيد مارجرجس وانتم تزودون عن الحق والارض (مازن عبود)



