في كل مناسبةٍ اجتماعية أو سياسية، يتكرّر مشهد إطلاق النار في الهواء في لبنان، بوصفه تعبيرًا عن الفرح أو الغضب. إلا أن هذا السلوك، الذي اعتاد عليه البعض، لم يعد يُنظر إليه كفعل عابر أو “تقليد اجتماعي”، بل بات يُصنَّف قانونًا كجريمة خطيرة قد تفضي إلى المساءلة الجنائية المشدّدة، وصولًا إلى عقوبات تصل إلى الأشغال الشاقة لسنوات طويلة.
لقد أثبتت الوقائع الميدانية أن الرصاصة التي تُطلق في الهواء لا تضيع، بل تعود لتصيب إنسانًا أو ممتلكًا أو كائنًا حيًا، فيتحوّل “الاحتفال” إلى مأساة. من هنا، تدخّل المشرّع اللبناني بشكل حاسم لوضع حد لهذه الظاهرة، عبر نصوص قانونية واضحة وصارمة.
أولًا: التكييف القانوني للجريمة
لا يُعتبر إطلاق النار في الهواء مجرد مخالفة بسيطة، بل يُكيّف قانونًا على أنه:
تعريض حياة الغير للخطر
وقد يرتقي إلى:
جناية قتل على أساس القصد الاحتمالي إذا نتجت وفاة
أو جرائم إيذاء بدرجاتها المختلفة
ويعني “القصد الاحتمالي” أن الفاعل، وإن لم يقصد قتل شخص معين، يكون قد قبل ضمنًا احتمال وقوع النتيجة الجرمية نتيجة فعله الخطِر.
ثانيًا: الإطار القانوني الناظم
أخضع المشرّع هذه الجريمة لأحكام:
القانون رقم 71/2016 (تجريم إطلاق النار في الهواء)
بالإضافة إلى مواد من قانون العقوبات اللبناني
وقد تم لاحقًا تشديد العقوبات نتيجة تفاقم الظاهرة وسقوط ضحايا أبرياء.
ثالثًا: النصوص القانونية والعقوبات
- الجريمة الأساسية: إطلاق النار في الهواء
ينص القانون على أنه:
“كل من أقدم، لأي سبب كان، على إطلاق عيارات نارية في الهواء، من سلاح مرخّص أو غير مرخّص، يُعاقب بالحبس والغرامة ومصادرة السلاح.”
العقوبة:
الحبس من 6 أشهر إلى 3 سنوات
غرامة مالية (مرتبطة بالحد الأدنى للأجور)
مصادرة السلاح
منع دائم من حيازته - في حال نتج عن الفعل ضرر إذا أدى إلى إيذاء بسيط:
الحبس من 9 أشهر إلى 3 سنوات إذا أدى إلى تعطيل يتجاوز 10 أيام:
الحبس من سنة إلى 3 سنوات
إذا أدى إلى عاهة دائمة:
“يعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة”
حتى 10 سنوات أشغال شاقة - في حال أدى إلى الوفاة
هنا تبلغ الجريمة أخطر درجاتها، إذ ينص القانون على:
“إذا أدى إطلاق النار إلى موت إنسان، يُعاقب الفاعل بالأشغال الشاقة المؤقتة.”
العقوبة:
من 10 إلى 15 سنة أشغال شاقة وتُطبّق هذه العقوبة على أساس القصد الاحتمالي بالقتل، أي أن الفاعل يُحاسَب كما لو أنه قبل خطر القتل نتيجة فعله. - نص موازٍ في قانون العقوبات
تنص إحدى مواد قانون العقوبات على:
“كل من أطلق النار في أماكن مأهولة أو في ظروف تعرض حياة الناس أو سلامتهم للخطر، يُعاقب بالحبس أو الغرامة أو كلتيهما.”
وهذا النص يُستخدم في الحالات التي لا ينطبق عليها القانون الخاص، أو لتعزيز الملاحقة.
رابعًا: خطورة الجريمة من منظور قانوني
تكمن خطورة إطلاق النار في الهواء في عدة اعتبارات:
استحالة التحكم بمسار الرصاصة بعد إطلاقها
تعدد الضحايا المحتملين دون تمييز
تحقق النتيجة الجرمية بشكل مفاجئ (قتل أو إصابة)
الإخلال بالأمن العام وبث الرعب بين المواطنين
ولهذا السبب، لم يعد القضاء يتساهل مع هذه الأفعال، بل يتجه نحو تشديد التكييف الجرمي والعقوبات.
خامسًا: بين العرف الاجتماعي وسيادة القانون
رغم وضوح النصوص، لا تزال هذه الظاهرة مستمرة، ما يطرح إشكالية حقيقية بين:
العادات الاجتماعية التي تتسامح مع الفعل وسيادة القانون التي تجرّمه بشكل صارم. غير أن الاتجاه التشريعي والقضائي في لبنان بات واضحًا:
لا حصانة لأي سلوك يهدد الحياة، مهما كان مبرره الاجتماعي.
خاتمة
إن إطلاق النار في الهواء لم يعد مجرّد تعبير عفوي عن الفرح أو الغضب، بل أصبح:
جريمة قد تكلّف مرتكبها سنوات طويلة من الأشغال الشاقة، وقد تكلّف الضحية حياتها.
وبين رصاصةٍ طائشة وحياةٍ تُزهق، يقف القانون اللبناني حازمًا، واضعًا حدًا فاصلاً بين “الاحتفال” والجريمة.



