السيادة كإعلان لا كواقع: كيف تحوّل هرمز إلى مرآة أزمة إيران الداخلية؟


عصام شلهوب – ورد الآن
تختلط في لحظة سياسية السخرية بالمأساة، تبدو طهران وكأنها تكتب فصلاً جديداً من أدب التناقض. خلال أربعٍ وعشرين ساعة فقط، انتقلت الرواية الرسمية من إعلان “فتح مضيق هرمز” إلى نفي ذلك عملياً عبر إعادة الحديث عن “إغلاقه”، في مشهد يطرح سؤالاً أكثر عمقاً من الحدث نفسه: كيف يمكن لدولة أن تعلن سيادتها على ممرّ حيوي، فيما أدوات التحكم الفعلية ليست في يدها؟

مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو شريان الطاقة العالمي، حيث تمر نسبة كبيرة من صادرات النفط. السيطرة عليه لم تعد مسألة زوارق حربية أو صواريخ ساحلية فحسب، بل باتت رهناً بتوازنات أعقد، تتداخل فيها التكنولوجيا العسكرية، أنظمة المراقبة، وشبكات الردع الرقمية. في هذا السياق، تبدو الرواية الإيرانية وكأنها محاولة لإعادة تعريف الوقائع: ما لا يمكن تغييره يُعاد تسميته. الحصار يصبح “قراراً سيادياً”، والتراجع يتحول إلى “إعادة تموضع”.

في المقلب الآخر، لا يمكن فصل هذا المشهد عن حضور اسم دونالد ترامب، الذي لم يعد مجرد لاعب خارجي، بل عنصر مؤثر في الخطاب الداخلي الإيراني نفسه. فالإشادة التي صدرت عنه، والتي قد تُقرأ في سياق دبلوماسي تقليدي، تحولت داخل إيران إلى مادة تفجير سياسي. في الأنظمة التي تقوم على ثنائية “العدو الدائم”، يصبح مديح الخصم إدانة مبطنة. هكذا، لم يُنظر إلى كلمات ترامب كإطراء، بل كإشارة إلى أن الطرف الآخر بات قادراً على التأثير، أو حتى “الترويض” كما عبّرت بعض المنابر المتشددة.

من هنا، انفجر التباين داخل البنية السياسية الإيرانية. بين جناحٍ يرى في الانفتاح ضرورة اقتصادية ملحّة، وجناحٍ يعتبر أي تنازل مساساً بالهيبة الاستراتيجية، تتشكل رقصة متوترة على حافة الانقسام. القرار لم يعد نتاج رؤية موحّدة، بل حصيلة شدّ حبال بين مؤسسات تتنازع تعريف “السيادة” نفسها: هل هي القدرة على الصمود مهما كان الثمن، أم القدرة على التكيّف والبقاء؟

المفارقة أن مفهوم السيادة، الذي كان يُقاس تقليدياً بالسيطرة الميدانية، بات اليوم يُعاد تعريفه بلغة مختلفة. في زمن الأنظمة الرقمية والحروب غير المرئية، لم تعد القوة في امتلاك الجغرافيا فقط، بل في التحكم بالبنية التحتية للمعلومة والقرار. من يملك القدرة على التعطيل عن بُعد، أو فرض القيود عبر التكنولوجيا، هو من يرسم حدود الفعل، حتى لو بقيت الخرائط على حالها.

في هذا الإطار، تبدو إيران وكأنها تمتلك المنبر، لكنها لا تملك المفاتيح. تصرّح، تبرر، تعلن، لكنها في العمق تتعامل مع واقع مفروض عليها، تحاول احتواءه لغوياً وسياسياً. إعلان “الإغلاق” لا يصبح فعلاً سيادياً بقدر ما هو إعادة صياغة لواقع لم تتمكن من تغييره.

هكذا، تتكثف الصورة في استعارة واحدة: السجين الذي يعلن بفخر أنه أغلق باب زنزانته. قد يبدو الفعل اختياراً، لكنه يخفي حقيقة أبسط وأكثر قسوة: أن المفاتيح لم تكن يوماً في يده.