عظة البطريرك الكردينال مار بشارة بطرس الراعي الزيارة الراعوية للجنوب – القليعة في 8 نيسان 2026

باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.

“يا سمعان بن يونا، أتحبّني؟”

صاحب الغبطة والنيافة،
إخواني السادة المطارنة الأجلاء،
الآباء الأجلاء،
رئيس المجلس البلدي،
سعادة النائب،
أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء،

هذا هو السؤال الذي يوجّهه الرب يسوع المسيح إلى سمعان بطرس:
“يا سمعان بن يونا، أتحبّني؟”
ولم يكن هذا السؤال مجرّد سؤال عابر، بل لأن الرب أراد أن يسلّمه رعاية خرافه، ورعاية النفوس، ويجعله مثالًا للاقتداء في المحبّة والخدمة والبذل. وهذا السؤال ليس موجّهًا إلى سمعان بطرس وحده، بل إلى كل واحدٍ منّا. فكأن الرب يقول لكل إنسان باسمه:
يا فلان، يا فلانة، أتحبّني؟ هذا السؤال موجّه إلى الرجال والنساء، إلى الكبار والصغار، إلى كل مؤمن.
لأن الحياة المسيحية كلّها مبنيّة على الحب، ولكن ليس على أيّ حب، بل على محبة يسوع المسيح. نحن، كلّ واحد منّا، مدعوّون أن نحمل محبة المسيح إلى الناس الذين حولنا، كلٌّ من موقعه، وكلٌّ من مسؤوليته، وكلٌّ بحسب الدعوة التي ائتمنه الله عليها. واليوم نحن أيضًا أمام هذا السؤال: أيها الشخص، هل تحبّني؟
ولا نعرف إن كان عندنا من الجرأة ما يجعلنا نجيب كما أجاب سمعان بطرس: “يا رب، أنت تعلم كل شيء، وأنت تعرف أنّي أحبّك.”

ولكن، على كل حال، هذه هي حياتنا كمسيحيين:
أن نحمل محبة المسيح التي تمرّ في قلوبنا، وتمرّ من خلالنا، وتنفذ عبر أوضاعنا وحياتنا وظروفنا، لكي نشارك هذه المحبة مع كل جوارحنا وكل وجودنا.

فالمسيحية هي ديانة المحبة. وليست أيّ محبة، بل محبة يسوع المسيح الذي قال على الصليب:
“يا أبتِ، اغفر لهم، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون.”

لقد بلغت محبته حدّ أن تشمل حتى الذين صلبوه. وهذه هي المحبة التي نحن مدعوّون أن نعيشها، وأن نشهد لها، وأن ننقلها في حياتنا.

ونحن جئنا اليوم، نحن رابطة كاريتاس، رئيسًا وأعضاء، ومعنا المدير العام الجديد الحاضر معنا، ومع المؤسسة المارونية للانماء الشامل جئنا اليوم لكي نؤكّد لكم محبتنا في المسيح. قد يكون ما نأتي به قليلًا. وفي الحقيقة، كل شيء نأتي به يبقى قليلًا. ولكن المهم أن يُعطى بحب.
لأن العطاء في المسيحية لا تُقاس قيمته بحجمه، بل بالمحبّة التي ترافقه. نحن جئنا اليوم لنعزّيكم، ونقف معكم، في هذا المصاب الأليم، برحيل شهيد من شهود محبة المسيح، وشاهدٍ من شهود الواجب الكهنوتي، الأب الخوري بيار الراعي.

جئنا لنعزّيكم، ونقول لكم إننا معكم، وإن الذي وُضع في القبر، هو في السماء، مع يسوع المسيح، في رؤية الحب الأكبر.

نصلّي معكم لراحة نفسه، ونصلّي معكم أيضًا لكي يعوّض الله عليكم،
ويمنحكم هو نفسه التعزية والرجاء والسلام. ونصلّي من أجل الرعيّة، ومن أجل كل واحد منكم، وهذا ما يعزّي القلوب.

لقد كان مؤثّرًا جدًّا أن نرى حتى الأطفال الصغار، بعد رحيل أبونا بيار، يقولون كلامًا كبيرًا من عمق القلب، ويشهدون لهذا الانتماء، ولهذا الثبات، ولهذه المحبة. وكان مؤثّرًا أن نسمع في قلوب الصغار هذا الإيمان الحيّ، وهذه الشهادة الصادقة. لذلك جئنا اليوم لنقول لكم هذا الكلام، ولنعزّي قلوبكم، ونؤكّد لكم أيضًا أننا موجودون معكم، كمؤسسات كنسية، ونحمل لكم المحبة المسيحية.

وجئنا نصلّي معكم: نصلّي لراحة نفس أبونا بيار، ولراحة نفوس جميع الشهداء الذين يسقطون كل يوم على أرض لبنان، ونصلّي من أجل الجرحى وشفائهم، ومن أجل كل المتألّمين من هذه الحرب.

ونحن، في كل هذا، لا بدّ أن ننظر إلى الأمور من خلال المنظار المسيحي، من خلال كلمة المسيح على الصليب:
“اغفر لهم، لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون.” ونصلّي من أجل السلام،
لكي يعطي الله هذا العالم عطية المسيح، عطية السلام الحقيقي.

ونقول، في موتكم، وفي آلامكم، وفي صمودكم في القليعة،
كما يقول غيركم في البلدات الأخرى:
هذه الأرض هي أرضنا. نحن كتبنا تاريخنا عليها. هذه الأرض هي هويتنا. هذه الأرض عشنا عليها، وعاشت فينا. وهذه الأرض لا يمكننا أن نتخلّى عنها.

فالإنسان بلا أرض كأنه إنسان بلا جذور، بلا هوية، بلا انتماء.
وقد يكون اليتم موجعًا حين يفقد الإنسان أباه أو أمّه، وكلّنا قد نصير يومًا ما أيتام أبٍ أو أم. أما أن يكون الإنسان يتيم الوطن، فهذه مأساة أشدّ وأصعب.

لذلك، الأرض لا تُفتدى إلا بحضور أهلها، وبالدم الذي يُراق عليها،
وبالشهادة التي تُعطى من أجلها.

ومن أجل هذا كلّه جئنا اليوم، لنصلّي معكم، ونؤكّد محبتنا جميعًا للمسيح، ونقول له: نعم يا رب، نحن نحبّك. ونطلب منه أن تمرّ محبته عبر قلوبنا، وعبر إمكانياتنا، وعبر ضعفنا،
وعبر حياتنا، وأن يساعدنا لكي نعبّر عن حبّه لكل الناس.

هو الذي مات من أجل كل إنسان،
هو الذي أحبّ كل إنسان،
وهو الذي يريد أن تصل محبته إلى كل إنسان.

ولذلك، نحن نقول بإيمانٍ صادق:
لبنان لا يموت.
ولبنان سيقوم.
لأن هذا هو تاريخه،
ولأن القديسين الذين قدّسوا لبنان،
من مار شربل إلى جميع قدّيسي هذا الوطن،
لن يتركوا هذا الوطن.

إن شاء الله تكون نفس أبونا بيار في السماء، ويعوّض الله عليكم كلكم، ويعوّض عن كل أبناء هذه البلدة، وعن كل أبناء هذه المنطقة. ونسأل الله أن تكون أيامكم أيام سلام، وأيام فرح، وأيام تشبّث بالأرض، وأن يبقى هذا السؤال الإلهي يتردّد دائمًا في قلوبنا وفي أفكارنا:

“يا سمعان بن يونا، يا أيها الشخص، أتحبّني؟”

فليعطنا الرب أن نجيب من أعماق قلوبنا:
“يا رب، أنت تعلم كل شيء، وأنت تعرف أنّنا نحبّك.”

آمين.

تابعوا كل الأخبار الخاصة بال #البطريركالراعي و #البطريركيةالمارونية عبر موقعنا الرسمي www.bkerki.org

شركة_ومحبة