عندما تكلم السيد يسوع المسيح عن “أبناء الأبالسة”، لم يكن كلامه توصيفاً عابراً أو انفعالاً لحظياً، بل كان تعبيراً عن واقعٍ عاشه في زمنٍ طغت فيه القلوب القاسية، وغابت فيه الرحمة، وسيطر فيه النفاق على المشهد العام. ففي الكتاب المقدس، وتحديداً في إنجيل يوحنا، قال المسيح عبارته الشهيرة: “أنتم من أبٍ هو إبليس، وشهوات أبيكم تريدون أن تعملوا”، في إشارة واضحة إلى من اختاروا الظلم والكذب والقتل طريقاً لهم، بعيداً عن رسالة المحبة والسلام التي جاء بها.
لقد كانت الجلجلة رمزاً للظلم المطلق، حين صُلب المسيح، ليس لأنه دعا إلى العنف، بل لأنه دعا إلى المحبة، ليس لأنه حرّض على الكراهية، بل لأنه دعا إلى السلام الحقيقي القائم على الحق. هناك، في زمن الجلجلة، انتصرت مؤقتاً قوى الظلم، وظنّوا أنهم أنهوا رسالة الحق، لكن التاريخ أثبت أن الصليب كان بداية الانتصار لا نهايته.
وبعد أكثر من ألفي عام، وتحديداً في عام 2026، يبدو أن أبناء الأبالسة أنفسهم لم يتبدلوا. العقلية ذاتها، والنهج ذاته، والبطش ذاته. لم يتوقفوا عن فتكهم، ولم يتراجعوا عن أبشع الممارسات بحق الإنسانية. دماء الأبرياء لا تزال تُسفك، والأطفال لا يزالون يُقتلون، والإنسانية تُداس تحت أقدام القوة والهيمنة.
والمؤلم أكثر، أن هناك من لا يزال يتحدث عن “سلام عادل” مع من لم يعترف يوماً بالعدالة، ولا آمن يوماً بالسلام. فكيف يمكن أن تُصافح من اعتاد القتل؟ وكيف يمكن أن تثق بمن أساء إلى الأنبياء عبر التاريخ؟ وهل من المنطق أن ننتظر الرحمة ممن لم يعرفها يوماً؟
إن التاريخ ليس طارئاً، ولا يمكن القفز فوقه. هناك أفعال تدلل على أصحابها، وهناك مسار طويل من الممارسات التي تكشف حقيقة من هم. المصيبة ليست فقط في عدم معرفة الحقيقة، بل المصيبة الأكبر أن نعرفها، ومع ذلك نسعى إلى ودّهم، ونراهن على سلامٍ وهمي، لم يكن يوماً خيارهم.
في زمن الجلجلة صُلب المسيح مرة، أما اليوم، فالمسيح يُصلب مرتين:
مرة عندما يُقتل الأبرياء،
ومرة عندما نصمت عن القتلة.
ومع ذلك، يبقى هناك دائماً من يتمسك برسالة الحق، لأن رسالة المسيح لم تكن لحظة في التاريخ، بل مساراً مستمراً. وبين أبناء الأبالسة، سيبقى دائماً أبناء الحياة، الذين يرفضون الظلم، ويتمسكون بالحق، مهما اشتد الظلام.
ميشال دمعة
م



