صوم مبارك ومقدّس

﴿ الإثنين ٢٣ / ٢ / ٢٠٢٦ ﴾
♰ بَدْءُ الصّوم الأربعينيّ المقدّس ♰ ♰ الإثنين (١) من الصّوم ♰ ♰ صومًا مباركًا وجهادًا مقبولًا وتوبةً نصوحًا ♰ ♱ القدّيس الشّهيد في الكهنة بوليكاربوس أسقف أزمير ♱ ♱ القدّيسة غورغونيا الأخت البكر للقدّيس غريغوريوس اللّاهوتيّ ♱ ♱ القدّيس البارّ ألكسندروس مؤسّس رهبنة الّذين لا ينامون ♱ ♱ القدّيس الشّهيد كليمنضوس ♱ ♱ القدّيسون الأبرار يوحنّا وموسى وأنطيوخوس وأنطونينوس‎ ‎♱ ♱ القدّيسون الأبرار زبيناس وبوليخرونيوس وموسى وداميانوس‎ ♱ ♱ القدّيسة الشّهيدة ثيا ♱ ♱ القدّيس البارّ يوحنّا الحصّاد ♱ ♱ القدّيس البارّ داميانوس الأثوسيّ ♱ ♱ القدّيس الجديد في الشّهداء لعازر البليوبونيزيّ ♱
♰ مساءً: صلاة الغروب اليوميّة وصلاة النّوم الكبرى مع قانون التّوبة (الجزء الأوّل) ♰
♱ 🌽 صَوْمٌ كامِلٌ وانقطاعٌ عن الزَّفَرَيْنِ والخمرِ والزّيت إلى السّاعة الثّالثة من بعد الظّهر 🍠 ♱
✤ القراءة اليوميّة الأُولَى ✤
✤ للإثنين من الأسبوع الأوّل من الصّوم ✤
✤ قراءة من سفر التّكوين: (تك ١: ١ – ١٣)
الأصحَاحُ الأوّل
1- فِي الْبَدْءِ، خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ. 2وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً، وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ، وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ. 3وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ نُورٌ»، فَكَانَ نُورٌ. 4وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. 5وَدَعَا اللهُ النُّورَ نَهَارًا، وَالظُّلْمَةُ دَعَاهَا لَيْلاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا وَاحِدًا. 6وَقَالَ اللهُ: «لِيَكُنْ جَلَدٌ فِي وَسَطِ الْمِيَاهِ. وَلْيَكُنْ فَاصِلاً بَيْنَ مِيَاهٍ وَمِيَاهٍ». 7فَعَمِلَ اللهُ الْجَلَدَ، وَفَصَلَ بَيْنَ الْمِيَاهِ الَّتِي تَحْتَ الْجَلَدِ وَالْمِيَاهِ الَّتِي فَوْقَ الْجَلَدِ. وَكَانَ كَذلِكَ. 8وَدَعَا اللهُ الْجَلَدَ سَمَاءً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَانِيًا. 9وَقَالَ اللهُ: «لِتَجْتَمِعِ الْمِيَاهُ تَحْتَ السَّمَاءِ إِلَى مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَلْتَظْهَرِ الْيَابِسَةُ». وَكَانَ كَذلِكَ. 10وَدَعَا اللهُ الْيَابِسَةَ أَرْضًا، وَمُجْتَمَعَ الْمِيَاهِ دَعَاهُ بِحَارًا. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 11وَقَالَ اللهُ: «لِتُنْبِتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْرًا، وَشَجَرًا ذَا ثَمَرٍ يَعْمَلُ ثَمَرًا كَجِنْسِهِ، بِزْرُهُ فِيهِ عَلَى الأَرْضِ». وَكَانَ كَذلِكَ. 12فَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ عُشْبًا وَبَقْلاً يُبْزِرُ بِزْرًا كَجِنْسِهِ، وَشَجَرًا يَعْمَلُ ثَمَرًا بِزْرُهُ فِيهِ كَجِنْسِهِ. وَرَأَى اللهُ ذلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. 13وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْمًا ثَالِثًا.
✤ القراءة اليوميّة الثَّانِية ✤
✤ للإثنين من الأسبوع الأوّل من الصّوم ✤
✤ قراءة من سفر الأمثال: (أم ١: ١ – ٢٠)
الأصحَاحُ الْأَوَّلُ
1أَمْثَالُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ مَلِكِ إِسْرَائِيلَ: 2لِمَعْرِفَةِ حِكْمَةٍ وَأَدَبٍ. لإِدْرَاكِ أَقْوَالِ الْفَهْمِ. 3لِقُبُولِ تَأْدِيبِ الْمَعْرِفَةِ وَالْعَدْلِ وَالْحَقِّ وَالاسْتِقَامَةِ. 4لِتُعْطِيَ الْجُهَّالَ ذَكَاءً، وَالشَّابَّ مَعْرِفَةً وَتَدَبُّرًا. 5يَسْمَعُهَا الْحَكِيمُ فَيَزْدَادُ عِلْمًا، وَالْفَهِيمُ يَكْتَسِبُ تَدْبِيرًا. 6لِفَهْمِ الْمَثَلِ وَاللُّغْزِ، أَقْوَالِ الْحُكَمَاءِ وَغَوَامِضِهِمْ. 7مَخَافَةُ الرَّبِّ رَأْسُ الْمَعْرِفَةِ، أَمَّا الْجَاهِلُونَ فَيَحْتَقِرُونَ الْحِكْمَةَ وَالأَدَبَ. 8اِسْمَعْ يَا ابْنِي تَأْدِيبَ أَبِيكَ، وَلاَ تَرْفُضْ شَرِيعَةَ أُمِّكَ، 9لأَنَّهُمَا إِكْلِيلُ نِعْمَةٍ لِرَأْسِكَ، وَقَلاَئِدُ لِعُنُقِكَ. 10يَا ابْنِي، إِنْ تَمَلَّقَكَ الْخُطَاةُ فَلاَ تَرْضَ. 11إِنْ قَالُوا: «هَلُمَّ مَعَنَا لِنَكْمُنْ لِلدَّمِ. لِنَخْتَفِ لِلْبَرِيءِ بَاطِلاً. 12لِنَبْتَلِعْهُمْ أَحْيَاءً كَالْهَاوِيَةِ، وَصِحَاحًا كَالْهَابِطِينَ فِي الْجُبِّ، 13فَنَجِدَ كُلَّ قِنْيَةٍ فَاخِرَةٍ، نَمْلأَ بُيُوتَنَا غَنِيمَةً. 14تُلْقِي قُرْعَتَكَ وَسْطَنَا. يَكُونُ لَنَا جَمِيعًا كِيسٌ وَاحِدٌ». 15يَا ابْنِي، لاَ تَسْلُكْ فِي الطَّرِيقِ مَعَهُمْ. اِمْنَعْ رِجْلَكَ عَنْ مَسَالِكِهِمْ. 16لأَنَّ أَرْجُلَهُمْ تَجْرِي إِلَى الشَّرِّ وَتُسْرِعُ إِلَى سَفْكِ الدَّمِ. 17لأَنَّهُ بَاطِلاً تُنْصَبُ الشَّبَكَةُ فِي عَيْنَيْ كُلِّ ذِي جَنَاحٍ. 18أَمَّا هُمْ فَيَكْمُنُونَ لِدَمِ أَنْفُسِهِمْ. يَخْتَفُونَ لأَنْفُسِهِمْ. 19هكَذَا طُرُقُ كُلِّ مُولَعٍ بِكَسْبٍ. يَأْخُذُ نَفْسَ مُقْتَنِيهِ. 20اَلْحِكْمَةُ تُنَادِي فِي الْخَارِجِ. فِي الشَّوَارِعِ تُعْطِي صَوْتَهَا.
✤ الإنجيل اليوميّ ✤
✤ لصلاة النّوم الكبرى ✤
✤ للإثنين من الأسبوع الأوّل من الصّوم ✤
✤ فصل من بشارة القدِّيس لُوقَا: (لو ٢١ : ٨ – ٣٦)
الأصحَاحُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ
8- قَالَ الرَّبُّ: «انْظُرُوا! لاَ تَضِلُّوا. فَإِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ بِاسْمِي قَائِلِينَ: إِنِّي أَنَا هُوَ! وَالزَّمَانُ قَدْ قَرُبَ! فَلاَ تَذْهَبُوا وَرَاءَهُمْ. 9فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِحُرُوبٍ وَقَلاَقِل فَلاَ تَجْزَعُوا، لأَنَّهُ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ هذَا أَوَّلاً، وَلكِنْ لاَ يَكُونُ الْمُنْتَهَى سَرِيعًا». 10ثُمَّ قَالَ لَهُمْ:«تَقُومُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ وَمَمْلَكَةٌ عَلَى مَمْلَكَةٍ، 11وَتَكُونُ زَلاَزِلُ عَظِيمَةٌ فِي أَمَاكِنَ، وَمَجَاعَاتٌ وَأَوْبِئَةٌ. وَتَكُونُ مَخَاوِفُ وَعَلاَمَاتٌ عَظِيمَةٌ مِنَ السَّمَاءِ. 12وَقَبْلَ هذَا كُلِّهِ يُلْقُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ، وَيُسَلِّمُونَكُمْ إِلَى مَجَامِعَ وَسُجُونٍ، وَتُسَاقُونَ أَمَامَ مُلُوكٍ وَوُلاَةٍ لأَجْلِ اسْمِي. 13فَيَؤُولُ ذلِكَ لَكُمْ شَهَادَةً. 14فَضَعُوا فِي قُلُوبِكُمْ أَنْ لاَ تَهْتَمُّوا مِنْ قَبْلُ لِكَيْ تَحْتَجُّوا، 15لأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَمًا وَحِكْمَةً لاَ يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا. 16وَسَوْفَ تُسَلَّمُونَ مِنَ الْوَالِدِينَ وَالإِخْوَةِ وَالأَقْرِبَاءِ وَالأَصْدِقَاءِ، وَيَقْتُلُونَ مِنْكُمْ. 17وَتَكُونُونَ مُبْغَضِينَ مِنَ الْجَمِيعِ مِنْ أَجْلِ اسْمِي. 18وَلكِنَّ شَعْرَةً مِنْ رُؤُوسِكُمْ لاَ تَهْلِكُ. 19بِصَبْرِكُمُ اقْتَنُوا أَنْفُسَكُمْ. 20وَمَتَى رَأَيْتُمْ أُورُشَلِيمَ مُحَاطَةً بِجُيُوشٍ، فَحِينَئِذٍ اعْلَمُوا أَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ خَرَابُهَا. 21حِينَئِذٍ لِيَهْرُبِ الَّذِينَ فِي الْيَهُودِيَّةِ إِلَى الْجِبَالِ، وَالَّذِينَ فِي وَسْطِهَا فَلْيَفِرُّوا خَارِجًا، وَالَّذِينَ فِي الْكُوَرِ فَلاَ يَدْخُلُوهَا، 22لأَنَّ هذِهِ أَيَّامُ انْتِقَامٍ، لِيَتِمَّ كُلُّ مَا هُوَ مَكْتُوبٌ. 23وَوَيْلٌ لِلْحَبَالَى وَالْمُرْضِعَاتِ فِي تِلْكَ الأَيَّامِ! لأَنَّهُ يَكُونُ ضِيقٌ عَظِيمٌ عَلَى الأَرْضِ وَسُخْطٌ عَلَى هذَا الشَّعْبِ. 24وَيَقَعُونَ بِفَمِ السَّيْفِ، وَيُسْبَوْنَ إِلَى جَمِيعِ الأُمَمِ، وَتَكُونُ أُورُشَلِيمُ مَدُوسَةً مِنَ الأُمَمِ، حَتَّى تُكَمَّلَ أَزْمِنَةُ الأُمَمِ.25«وَتَكُونُ عَلاَمَاتٌ فِي الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ، وَعَلَى الأَرْضِ كَرْبُ أُمَمٍ بِحَيْرَةٍ. اَلْبَحْرُ وَالأَمْوَاجُ تَضِجُّ، 26وَالنَّاسُ يُغْشَى عَلَيْهِمْ مِنْ خَوْفِ وَانْتِظَارِ مَا يَأْتِي عَلَى الْمَسْكُونَةِ، لأَنَّ قُوَّاتِ السَّمَاوَاتِ تَتَزَعْزَعُ. 27وَحِينَئِذٍ يُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ آتِيًا فِي سَحَابَةٍ بِقُوَّةٍ وَمَجْدٍ كَثِيرٍ. 28وَمَتَى ابْتَدَأَتْ هذِهِ تَكُونُ، فَانْتَصِبُوا وَارْفَعُوا رُؤُوسَكُمْ لأَنَّ نَجَاتَكُمْ تَقْتَرِبُ». 29وَقَالَ لَهُمْ مَثَلاً:«اُنْظُرُوا إِلَى شَجَرَةِ التِّينِ وَكُلِّ الأَشْجَارِ. 30مَتَى أَفْرَخَتْ تَنْظُرُونَ وَتَعْلَمُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَنَّ الصَّيْفَ قَدْ قَرُبَ. 31هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا، مَتَى رَأَيْتُمْ هذِهِ الأَشْيَاءَ صَائِرَةً، فَاعْلَمُوا أَنَّ مَلَكُوتَ اللهِ قَرِيبٌ. 32اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ لاَ يَمْضِي هذَا الْجِيلُ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ. 33اَلسَّمَاءُ وَالأَرْضُ تَزُولاَنِ، وَلكِنَّ كَلاَمِي لاَ يَزُولُ. 34«فَاحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ لِئَلاَّ تَثْقُلَ قُلُوبُكُمْ فِي خُمَارٍ وَسُكْرٍ وَهُمُومِ الْحَيَاةِ، فَيُصَادِفَكُمْ ذلِكَ الْيَوْمُ بَغْتَةً. 35لأَنَّهُ كَالْفَخِّ يَأْتِي عَلَى جَمِيعِ الْجَالِسِينَ عَلَى وَجْهِ كُلِّ الأَرْضِ. 36اِسْهَرُوا إِذًا وَتَضَرَّعُوا فِي كُلِّ حِينٍ، لِكَيْ تُحْسَبُوا أَهْلاً لِلنَّجَاةِ مِنْ جَمِيعِ هذَا الْمُزْمِعِ أَنْ يَكُونَ، وَتَقِفُوا قُدَّامَ ابْنِ الإِنْسَانِ».
✥ السِّنْكسَار ✥
✥ “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكلِّ كلمةٍ تخرج من فم الله” (متى 4، 4): في بداية العهد القديم وبداية العهد الجديد، يجرِّب الشيطانُ آدمَ بالطعام، فيأكل هذا ويسقط، ويجرِّبُ المسيحَ ليحوّلَ الحجرَ إلى خبزٍ ويُطعمَ الناس كثيراً، فيجيبه يسوع:”ليس بالخبز وحده– يحيا الإنسان– بل بكلِّ كلمةٍ تخرج من فم الله” (متى 4، 4). عبارة يسوع هذه تدرّجنا على ثلاثة مستويات، يسمّيها الآباءُ الدرجات: “تحت الطبيعية، والطبيعية، وما فوق الطبيعية”. الحالة تحت الطبيعية، هي حالةٌ حيوانيةٌ شهوانية لا تليقُ بالإنسان. الحالة الطبيعية هي حالةُ الإنسان العادية، ليست سيئةً ولا فذّةً. أما الحالة فوق الطبيعية، فهي ترفع الإنسان إلى التشبّه بخالقه، عكس تحت الطبيعية التي تُحدِره للتشبّه بالحيوانات، وهي لا تُمتَلك عفواً إنما بجهادٍ ومحاولةٍ وبمؤازرة النعمة. في عبارة يسوع، تنطبق حالة العيش “بالخبز وحده” على الدرجة دون الطبيعية، وكلمة “يحيا الإنسان” على الدرجة الطبيعية، أما كلمة بل “بكلِّ كلمةٍ تخرج من فم الله” فتنطبق على الحالة الروحية فوق الطبيعية، وهذا بما يخصّ كلَّ الفضائل والأوضاع الحياتية.
الطعام هو دون الطبيعة، حين نصلُ فيه إلى حدّ الامتلاء والنهم. يتعرّض اليوم كثيرون للأمراض بسبب كثرة الأطعمة وليس من قلّتها. ويلجأ العديدون إلى “ريجيم” أقسى من الأصوام الكنسية درءاً لتبعات كثرة الأطعمة. ويتناول آخرون الحبوب والأدوية لتساعدهم على هضم ما زاد عن الحاجة. فيبدو الإنسانُ شهوانياً متعلّقاً حتى الجنون بأصناف الأطعمة، ويصير الطعام قطبَ الجذبِ عنده، ومرجعيةً لحياته. ويكون الطعام في حدود الطبيعة حين يخدم حياةَ الجسد وصحَّته فقط، حين نتناوله بترتيبٍ واعتدال. ولكنه يصير روحياً حين نتناوله في “صومٍ” أي في قليلٍ من الجوع. هناك مسافاتٌ روحية بين الامتلاء حتى المرض و بين الشبع، و بين الجوع، والجوع حتى المرض والموت أحياناً. لم يوصِ السيد بجوعٍ وأصوامٍ حتى المرض. لكنّ المسافة بين الشبع فقط وبين الجوع حتى قبل المرض هي مسافةٌ واسعة جداً. فلطاما نهرع لتناول الكثير بمجرّد أن نجوع القليل. ولطالما صُمنا قليلاً ولم نَمُتْ ولم نمرض أبداً! هناك مسافةٌ شاسعةٌ بين الشبع والجوع المعتدل، يمكن للمؤمن أن يتنعّم فيها بالصوم دون ضررٍ، لا بل بفائدةٍ روحية. هناك مبدآن أساسيان للصوم، الأول هو الحرّية والثاني هو الفرح. لماذا أصوم؟ لأنه بمقدوري أن أجوع قليلاً دون ضررٍ جسديّ، فيصير هذا الصومُ طعاماً لذيذاً وتدريباً روحياً مفيداً. على مدى العام نتناول الطعام في حالته الطبيعية (الشبع فقط)، ولكن في فتراتٍ محدّدة كما في زمن الصوم نتناول مع الطعام شيئاً من الجوع كغذاءٍ طوعيٍّ روحيّ. لماذا؟ لأننا نبحث به عن طعامٍ روحيّ ألذَّ وأطيب. الصوم كأسفار الكتاب يبتلعها الإنسان مُرةً في حلقه لكنها تصير في جوفه عذبةً. لذلك وأنا صائمٌ أنا فَرِحٌ، لأني بحرِّيتي اخترت الجوعَ متعةً روحية. عندما أجوع طوعًا -أصوم- لا أُسارعُ إلى تناول الطعام كما في كلِّ مرةٍ، بل أبادرُ إلى تناول كلمة الله. أعوّض عن الحاجة إلى الشبع الجسديّ بإشباع العطش الروحي. يحرِّكني الجوعُ في الجسد إلى طلب ما تحيا به النفس: “الكلمة التي تخرج من فم الله”. هكذا تتحوّل متعتي من شبع الجسد في فقرٍ روحيّ إلى شبعٍ روحيٍّ في فقرٍ طوعيّ. لا نبدّل في الصوم الأطعمةَ وإنّما “المتعَة”. نختار في الصوم متعةً -لذةً جديدة لا نجدها إلا بمرافقة الجوع القليل – أو الكثير! يهبنا الصيامُ المتعة بـ”كلمة فمِ الله”، ويحرِّكنا إليها جوعُه العذب. الصيام رياضةٌ روحيةٌ بهجةٌ ولو في مظهرٍ من تقشُّفٍ، هو زهدٌ وليس عوزًا. “الخبز” وحده هو الدرجة الحيوانية، و”ليس بالخبز فقط” درجة الإنسان الطبيعي، و”كلمة الله” مع الصوم الجسديّ هي درجة الإنسان الروحيّ، الذي يشتري بالجوع التلذُّذَ بكلمة الله. الجوع هو شبعٌ روحيٌّ وضروريّ. لذلك لا يفيد أن نمتنع عن لحمٍ وجبنٍ ونَشبع من أصناف الأطعمة الصيامية! ولا يفيد أبداً أن نصوم فرضاً وقهراً وكأننا نؤدّي واجباً في حين أننا نُوهَبُ نِعماً فوق نعمة. ينقذنا الصوم إذاً من الحالة دون الطبيعية، التي علينا دوماً رفضها بقوةٍ وجرأةٍ وقساوة. ويرفعنا الصوم فوق الحالة الطبيعية التي نحياها في أزمنة الراحة والأيام العامّة. ويصلُ بنا الصوم إلى الحالة ما فوق الطبيعية، إلى الحالة الروحية حيث يُشبعنا الجوع من النِّعم السماوية.كم كان قلب داود بَهِجاً عندما رنّم: “سهوتُ عن أكل خبزي وكنت أمزج شرابي بدموعي” (مز6، 6)! فلنتشجّع يا أحباء ولنَصُمْ، بحريةٍ وفرحٍ. كلمةُ الله قطبٌ جذّابٌ يطير بنا إليه الجوعُ العذب.
✥ ميمر عن الصّوم للقديس باسيليوس الكبير: الصّوم ليس الامتناع عن بعض الأطعمة فالصوم سلاح روحي: “عزوا عزوا شعبي يقول إلهكم طيبو قلب أورشليم” (إش 40: 1 -2). إن إلقاء الكلمات المُشجّعة تُشدّد العزائم وتشحذ الهمم، وتُحفّز الكسالى والمتوانين على العمل. ومن أجل هذا فإن العسكريين عندما يُعدّون الجيش لمعركة قادمة، فإنهم يشرعون في إلقاء الخطب الحماسية عن ضرورة القتال، ويقدّمون النصائح والوصايا التي لها من القوة أن تجعل الكثيرين في مرات عديدة أن يستهينوا بالموت. أيضًا عندما يقوم المدّربون، بقيادة الشباب الرياضيين في المباريات وهم داخل الاستاد، فإنهم يقدّمون نصائح كثيرة عما يجب أن يفعلوه وأنه ينبغي عليهم أن يبذلوا أقصى جهد لكى يفوزوا ويُتوجوا، حتى أن الكثيرين عندما يقتنعون بأهمية وشرف الانتصار يستهينوا بالأتعاب الجسدية. وبناء عليه فإنني ُأعِد جنوداً للمسيح من أجل الحرب ضد الأعداء غير المرئيين وأحث المجاهدين على التقوى وضبط النفس، لكى ينالوا تيجان البر، لذلك فهناك ضرووة لتقديم النصيحة والإرشاد. ماذا أريد أن أقول أيها الاخوة؟ إن أولئك الذين يدرسون الأمور الخاصة برياضة المصارعة التي تُمارس في حلبة المصارعة، يعرفون أنه أمر طبيعي إذا حدث إسراف في الطعام فسيزداد وزن الرياضيين، حتى أنه يصعب عليهم المشاركة في المباريات. لكن أنتم لا ُتصارعون مع لحم ودم، بل “مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر مع أجناد البشر الروحية في السماويات” (أف 6: 12). إذاً فى هذه الحرب من الضروري ممارسة الصوم وضبط النفس لأن الدسم يُزيد وزن منَ يجاهد، بينما الصوم يقوي الانسان التقى. حتى أنه على قدر ما يفقد الجسد هذه الزيادة، على قدر ما تشرق النفس بالبهاء الروحي. لأن الانتصار على الأعداء غير المرئيين لا يتحقق بالإمكانيات الجسدية، لكى بإصرار النفس وصبرها على الضيقات.
الصوم رفيق حسن في الطريق: إذا فالصوم – لأولئك الذين يعرفون قيمته – هو نافع ومفيد طول العام، لأن الحيل الشيطانية لن تؤثر في الصائم، وبالأكثر فإن الملائكة الحارسون لحياتنا يظلوا إلى جوار أولئك الذين تنقوا بالصوم، وبالأولى جداً الآن حيث انتشرت البشارة في كل المسكونة ولا يوجد مكان في الأرض لم يسمع بالبشارة سواء كان جزيرة أم قارة أم مدينة أم أمة، أو أقصى الأرض. وأيضاً الجنود في معسكراتهم، والمسافرين والبحارة والتجّار، جميعهم قد سمعوا الدعوة المملوءة فرحًا وقبلوها. حتى أنه لا ينبغي لأحد أن يستثنى نفسه من قائمة الصائمين. وهذه القائمة تشتمل على كل الأجناس وكل الأعمار وكل المناصب. إن الذين يسجلون قائمة الصائمين في كل كنيسة هم الملائكة. فلنحذر- ربما بسبب شهوة عابرة للأكل – أن تفقد تسجيل اسمك، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى ستجعل نفسك فى حكم الفارين من الجنديّة. إن الخطر الذي يتعرض له شخص ترك درعه أثناء المعركة، يُعد أقل إذا ما قورن بترك سلاح الصوم. فإن كنت غنيًا لا تهين الصوم بأن تستنكف أن ُتعد مائدة تحوى أطعمة للصوم، ترى أنها لا تليق بك ولا ينبغي أن ُتبعد هذه الأطعمة من بيتك، كأنها محتقره بسبب أنها لا تحقق اللذة المرجوّة، حتى لا يدينك مُشرِّع الأصوام وتعانى من تأديبات كثيرة، مثل أن يُحكم عليك بأمراض جسدية أو أى ظرف آخر مؤلم. وإن كنت فقيراً، فصُم ولا تخشى سخرية البعض منك بقولهم إنك صائم دائماً بسبب حالتك المادية. وأقول للمرأة أن تصوم؟ فالصوم لها مثل التنفس هو أمر طبيعى ومألوف، وللأولاد الذين هم مثل النباتات النضرة الخضراء، يرتون بماء الصوم. بالنسبة للكهنة فإن الألفة القديمة مع الصوم تجعل الأتعاب سهلة. لأن الأتعاب التي تأتى بعد عادات استقرت طويلاً لا تُثير آلام كثيرة عند المتمرنين عليها. بالنسبة للذين يرتحلون كثيراً، فإن الصوم هو رفيق حسن للطريق. فكما أن الأطعمة تؤدى بالضرورة إلى زيادة الوزن، هكذا فإن الصوم يجعلهم أقل وزناً وأكثر حيوية وحركة. ثم أنه عندما يُنادى بحملة عسكرية خارج حدود الدولة؟ فإن الجنود يُزودون بالاحتياجات الضرورية وليست تلك التي تثير المتع. أما من جهتنا نحن الذين نحارب ضد الأعداء غير المرئيين، فإنه لا يليق بنا بالأكثر أن تُقبل على الأطعمة، بل يجب أن نكتفي بالاحتياجات الضرورية، كما لو كنا نتدرب في معسكرات. لأن هدفنا هو الانتصار عليهم والانتقال إلى الوطن السماوي.
الصوم وحياة التقوى: “فاشترك أنت فى احتمال المشقات كجندى صالح… وأيضاً إن كان أحد يجاهد لا يكلّل إن لم يجاهد قانونياً” (2تى 5:3). ينبغي علىّ ألاّ أتجاهل ما ورد بخاطري الآن وهو ما أريد التحدث عنه، أن النصيب المُقَدّم من الأكل للجنود يزداد وفقاً لأتعاب لكن بالنسبة للجنود الروحيين فإن الجندي الذي له طعام أقل له رتبة أعلى. كما أن خوذتنا تختلف جوهرياً عن الخوذة الأخرى التي تتعرّض للتلف، لأن المادة التي ُتصنع منها الخوذة هى النحاس، أما الأخرى فقد ُأعدت وتثبتت برجاء الخلاص (انظر 1 تس5 :8). والدرع بالنسبة للجنود العالميين مصنوع من الخشب والجلد، أما بالنسبة لنا فهو ترس الإيمان وقد ُسيّج حولنا بدرع البر والسيف الذي نستخدمه في الدفاع هو سيف الروح القدس (انظر أف 6: 16-17). لكننا نجد أن الآخرين يفضلّون السيف المصنوع من الحديد، وبالتالي فإن الطعام بحد ذاته لا يقويهم. لكن الذي ُيقوينا نحن هو حياة التقوى، بينما مَن يشتهون الأكل فلهم احتياج لأن يملأوا بطونهم. إن دوران الزمن يحمل لنا مرة أخرى تلك الأيام الجميلة، وعلينا أن نُقبٍل على تعاليم الكنيسة بفرح، كما يفرح الطفل بأمِِهِ. لأنه بهذه التعاليم فإن الكنيسة تُطعمنا بالتقوى. إذاً متى ُصمت لا تكن عابساً مثل اليهودي، لكن اجعل ذاتك مُشرقة بالفرح (انظر مت 6: 16- 17 ). بمعنى أنه لا ينبغي أن تحزن لأجل حرمان بطنك من الأطعمة، بل أن تفرح من كل نفسك من أجل المتع الروحية. لأنك تعلم جيداً أن “الجسد يشتهى ضد الروح والروح تشتهى ضد الجسد” (غلا5 :17). إذا لأن كل منهما (أى الجسد والروح) يشتهي ضد الآخر، فلنقلّل من شهوة الجسد، ولنزيد من قوة النفس، لكى نلبس إكليل العفة، حيث إنه بالصوم نحصل على الغلبة ضد الشهوات.
الصوم ونقاوة النفس: إذاً، فلتجعل نفسك مستحقة للتكريم عن طريق هذا الصوم المبارك، ولا ُتفسد عفة وطهارة الغد، بسكر اليوم. واعلم أن القول بأنه يحق لنا بعد الصوم أن نغرق في السكر هو بمثابة فكر شرير وخبيث. فكما أنه لا يوجد أحد- عندما ينوى أن يتزوج من امرأة وقورة بحسب القوانين – يسمح بوجود زانية في بيته، لأن الزوجة الشرعيّة لا تقبل ولا تحتمل أن تسكن مع ساقطة. هكذا يجب عليك أنت أيضاً ألاّ تلجأ أولاً إلى السكر أو تلجأ جهاراً إلى الزنى، أى إلى مصدر الوقاحة وصنو الخداع، إلى الخبل، وإلى قبول كل فكرة مرذولة بكل سهولة، بينما تنتظر الصوم. إن النفس التي تلوثت بالسكر، لا يسكن فيها الصوم والصلاة 1 . إن السيد الرب يقبل في شركته ذلك الذي يصوم، بينما لا يقبل في شركته الدنس والنجس والمدمن. فلو أنك أتيت غداً ورائحة الخمر تفوح منك، كيف أحسبك صائماً وأنت في هذه الحالة من السكر الشديد؟ ولا تُقيم حساباتك على أنك مؤخراً لم تشرب خمراً بصورة كبيرة، لكن التقييم الحقيقي هو أنك لم تتنقى من إدمان الخمر بعد. في أى وضع يمكن أن أصنفك؟ هل أضعك ضمن السكارى، أم من ضمن الصائمين؟ لأنّ حالة السكر السابقة تجذبك نحوها، بينما إتباع نظام التقليل في الطعام يؤكد الصوم. أنك فستعبد للسكر وستظل محصورا في ذاتك، لأنه إن كانت رائحة الخمر لازالت في الوعاء، فهذا يعد دليلاً واضحا على العبودية. وأقول لك بطريقة مباشرة وبلا مواربة إن أول يوم في الصوم سيكون بالنسبة لك بلا فائدة وغير مناسب، لأن بقايا السكر مازالت موجودة داخلك “فلا سارقون ولا طماعون ولا سكيرون ولا شتامون ولا خاطفون يرثون ملكوت الله (1كو 6: 1). فهؤلاء بدايتهم بل وكل مسيرتهم محتقرة، ومن الواضح أنهم مرذولون. ما هو النفع لو أنك أقبلت على الصوم وأنت سكران؟ لأنه إن كان السكر يبعدك عن الملكوت، فكيف يكون الصوم نافعا لك؟ ألا ترى كيف أن هؤلاء الأكثر خبرة في ترويض وإعداد الخيول قبل مباريات السباق يقللون طعام الخيول التي ستشارك في السباق؟ بينما أنت تسرف عمدا في الشراهة. إنك تتجاوز الخيول بكثير من جهة النهم!. كما أنه ليس من الحكمة في شيء أن تكون البطن مملوءة وثقيلة، ليس لأن هذا غير مفيد في حالة السير فقط، بل ولا في حالة النوم أيضا، لأن المعدة وهى متخمة لا يمكنها أن تهدأ، لكنك تضطر أن تنقلب مرة إلى هذه الناحية ومرة إلى الناحية الأخرى.
الصوم هو معلم الهدوء: والصوم يحفظ الأطفال ويهذب الشباب ويجعل الشيخ أكثر وقارا. لأن الشيخوخة عندما تكون مزينة بالصوم، تصير أكثر وقارا. وهو للمرأة زينة لائقة ومناسبة، ولجام لكل من هم في حالة عنفوان كما يُمثل الصوم حفظاً للحياة الزوجية وغذاءً للبتولية. مثل هذه الأمور ينبغي أن تكون موضع اهتمام كل بيت.
ولنرى كيف ُتمارس السياسة في حياتنا العامة؟ تمارس على النحو الذي فيه تصير الأمور مُنظمة ويهدأ الصياح وتنتفى المنازعات ويتوقف الكلام السيئ، يحدث هذا في المدينة كلها ومن نحو كل الشعب. وهل هناك معلّم مثل الصوم يستطيع بحضوره أن يعيد الهدوء لأولادنا الذين يثيرون الضوضاء؟ فهو أيضاً الذي يكبح اضطرابات المدينة عندما تثور ومَنْ مِن أولئك المشاركين في اللهو يستطيع أن يتقدم نحو الصوم؟ وأي رقص ماجن يمكن أن يتناسب مع الصوم؟ فالضحكات الناعمة، والأغاني الهابطة، والرقصات المثيرة للشهوة، هذه كلها سُتطرد خِفية ًمن المدينة عندما يحل الصوم كما لو، أنها قد هربت من أمام قاضٍ متشدّد. فلو أن الجميع قبلوا الصوم كمرشد لن تحدث هذه الأفعال ولن يوجد أى شيء يمكن أن يُعيق سيادة السلام الكامل في كل المسكونة، طالما أن الأمم لن تثور الواحدة ضد الأخرى ولن تتصادم الجيوش فيما بينها. لو ساد الصوم، فلن ُتصنّع الأسلحة ولن ُتقام المحاكم ولن يسجن البعض، وبصفة عامة لن يصير القفر مكان استضافة للمجرمين ولن تستضيف المدن أصحاب الدسائس ولا البحار ستصير ملجأ للقراصنة. لو أن الجميع تتلمذوا على الصوم فلن يُسمع مُطلقاً بحسب ما كتب أيوب، صوت محصل الضرائب، وأيضاً لو أن الصوم ساد على حياتنا (أيوب 18:3) فلن تصيبها الحسرة أو تصير مملوءة بالتجهم والعبوس لأنه من الواضح أن الصوم سوف يُعلّم الجميع ليس فقط العفة، لكن أيضاً الرحيل الكامل والتغرب عن البخل والطمع وعن كل شر. فلو أننا ازدرينا بهذه الأمور، فلن يكون هناك شيئا يمكن أن يُعيقنا عن أن نتمتع بسلام عميق ونفس مملوءة بالهدوء.
ثمار الصوم: لكن هؤلاء الذين يرفضون الصوم الآن هم من ناحية يسعون نحو الترف والتمتع كسعادة في هذه الحياة، ومن ناحية أخرى يجلبون الكثير من الشرور على أنفسهم وبالأكثر يدمرون أجسادهم. ولتلاحظ من فضلك الفروق بين هؤلاء الأشخاص الذين سيحضرون هذا المساء وأولئك الذين سيأتون فى الغد. اليوم ستجدهم منتفخين ووجوههم حمراء جداً، مُبللين بسبب العرق الكثيف، وعيون زائغة ومحرومة من الرؤية الدقيقة بسبب الظلام الداخلي، لكن غداً سنجد أشخاص خجولين، وقورين، لونهم طبيعي، ومملؤين بالحكمة والأحاسيس الصادقة، طالما أنه لا يوجد أى علة داخلية يمكن أن تظلم حياتهم. الصوم هو تشبيه بالملائكة، رفيق الأبرار، حياة العفة. الصوم هو الذي جعل موسى مشرِّعًا. وصموئيل أيضاً هو ثمرة صوم حنة النبيّة التي صلّت إلى الله بعدما صامت قائلة: “يارب الجنود إن نظرت نظراً إلى مذلة أمتك وذكرتني ولم تنسى أمتك بل أعطيت أمتك زرع بشر فإني أعطيه للرب كل أيام حياته ” (1صم 1: 11). “وخمراً ومسكراً لا يشرب حتى يوم الموت” (انظر قض 13: 14) الصوم هو الذي أسس ونمّى شمشون العظيم. وحتى ذلك الحين الذي وقف معه آخرين ضد آلاف القتلة من الأعداء، هدم أبواب المدينة وحده والأسوار لم تتحمله بسبب قوة يديه (انظر قض14 :6). لكن عندما وقع أسيراً للسكر والزنا، وقع في أيدي الأعداء بعدما فقد بصره وصار لعبة في أيدي عبيد أمم غريبة (انظر قض6 :12 -25). وبصوم إيليا توقفت السماء عن أن ُتعطى مطراً ثلاث سنين وستة أشهر (انظر 1مل 17: 1). فقد دعته الضرورة أن يدعو المستمعين إليه إلى صوم انقطاعي عن الأكل بعدما رأى أنه بسبب شهوة الأكل ازداد الظلم والإهانة بين الشعب. بهذا الإجراء توقفت خطيتهم، لأن الصوم قد قطع الطريق نحو تفاقم الشر، كما لو أنه قد ُقطع بمقطع حاد.
هذا الصوم قد قبله الفقراء والساكنين معكم وشركاء المائدة الواحدة. إنه للعبيد راحة من عناء العمل، وهو للأغنياء شفاء من ضرر النهم، وفى هذا الإطار فإن الصوم يجعل الأمور التي كانت محتقرة قبلاً بحسب العادة، الآن أكثر متعة. والصوم للمرضى هو مصدر الصحة، وللأصحاء هو حفظاً للصحة الجيدة. فلتسأل الأطباء وسيُجيبونك بأن أكثر الأشياء خطراً على صحة الإنسان هو امتلاء الجسم. من أجل هذا فإن الذين هم أكثر خبرة بالصوم، يتخلّصون من الدهون الزائدة حتى لا ُتسحق عافيتهم تحت ثقل الجسم الممتلئ. لأن الحرمان من بعض الأطعمة عن قصد، يؤدى إلى اختفاء الترهل الناتج عن زيادة الوزن، ويمنع غذاء صحي ومريح ونسكى، وهكذا في كل عمل وكل عادة جسديّة يكون الصوم هو أمر مفيد وهو مناسب لكل الأشياء الأخرى. فهو لائق في البيوت وفي السوق، وهو مناسب في الليل وفي النهار، في المدينة والصحراء. إذا فلنقبل على الصوم بكل الطرق فهو الذي يمنحنا كل الخيرات، ولنقبله بالفرح وفقاً لكلمة الله لكى لا نظهر عابسين، بل ُنظهر فرح النفس بدون تكلّف (انظر مت 6 :16-17). ولا أتصور أن الحث على الصوم يحتاج إلى كل هذا الجهاد، إلاّ بسبب التحذير من أن يقع أحد اليوم في رذيلة السكر. لأن الكثيرين يقبلون على الصوم بسبب العادة وبسبب خجل الواحد من الآخر. لكنني أرتعب ممَن يسكرون، فالإسراف في ُشرب الخمر هو مثل شيء يتوارثونه فيما بينهم. وهناك بعض الأغبياء الذين يسرفون في شرب الخمر قبل الصوم. ومثل هؤلاء الذين يقومون برحلات بعيدة، فإن البعض من الحمقى اليوم يسرفون فى شرب الخمر وقتاً طويلاً قبل بداية الصوم. من ذا الذي يتسم بهذا القدر من الحماقة، حتى أنه قبل أن يشرب يسلك سلوك السكارى غير المتزن؟ لا يوجد. ألا تعلم أن البطن لا تدخر شيئاً؟ البطن هى الرفيق الذي لا يحظى بالثقة. هى الخزينة التي لا ُتضبط، لأنه بينما تملأ بأشياء كثيرة، لا تحتفظ بها وقتاَ طويلاًَ ويصيبها الضرر. انتبه أنت أيضاً لئلا يصادفك ما سُيقال غداً بشأن السكر، هذه التي ُقرئت الآن “أمثل هذا يكون صوم أختاره” (إش 58: 5). لماذا تخلط بين الأمور التي لا تقبل الاختلاط؟ وأي علاقة للصوم مع السكر؟ و أى علاقة للسكر مع العفة؟ “وأية موافقة لهيكل الله مع الأوثان” (2 كو 16:6). لأن هيكل الله هم أولئك الذين يسكن فيهم روح الله (1كو 16:3). بينما هيكل الأوثان هم أولئك الذين يقبلون شركة الرعاع السالكين في الفسق والفجور بسبب السكر.
هذا اليوم هو مدخل للأصوام وبالتأكيد فإن ذاك الذي تدنس عند المدخل لا يستحق أن يأتي إلى المقدسات. لا يوجد عبد يريد أن يكسب رضى سيده ثم يلجأ إلى عدوه باعتباره مدافعاً عنه وشفيعاً له. السُكر هو عداوة لله لكن الصوم هو بداية التوبة. فلو أنك أردت أن تأتى إلى الله مرة أخرى عن طريق الاعتراف، فينبغي عليك أن تتجنب السُكر حتى لا تتغرب عن الله فيصير تجديدك أصعب. لكن لا يكفى فقط الابتعاد عن الأمور الدنسة ليُمتدح صومك، لكن ينبغي أن تصوم صوماً مقبولاً ومُرضى أمام الله. الصوم الحقيقي هو في الابتعاد عن الشر وفي عفة الكلمة وفي البُعد عن الغضب وفى الانفصال عن الشهوة وعن التجديف وعن الكذب وعن حلف الزور. البُعد عن كل هذه الأمور، هو الصوم الحقيقي.
فلنبتهج في الرب بدراسة كلمات الروح وقبول العادات المخلّصة وبكل تعليم يؤدى إلى تقويم أنفسنا. فلنحترس إذاً من الصوم الذي يسبّبه العوز أو الاحتياج. هذا الصوم لا يتمناه النبي القائل: “الرب لا يجيع نفس الصديق ولكنه يدفع هوى الأشرار” (أم10 :3). وأيضاً “لم أر صديقاً تخلى عنه ولا ذرية له تلتمس خبزاً” (مز 37: 25). لأن ذاك الذي يعرف أن أبناء أبينا يعقوب قد نزلوا مصر بسبب الاحتياج إلى الخبز، لا يمكنه أن يتكلم عن الخبز المادي المحسوس، لكنه يتكلم عنِ الطعام الروحي والذي به يصير إنساننا الداخلي كاملاً. نترجى ألا يأتى إلينا الصوم الذي هدَّد به الله اليهود “هوذا أيام تأتى يقول السيد الرب أرسل جوعاً في الأرض. لا جوع للخبز ولا عطشاً للماء. بل لاستماع كلمات الرب” (عا 8: 11). وقد أثار هذا الجوع، القاضي العادل، لأنه رأى أن الإيمان الحقيقي فى أذهان هؤلاء يتلوث بأمور هزيلة، وأن إنسان الخارج يزداد وزنه بصورة ملفتة للنظر ويصير كله جسد ضخم. إذاً كل الأيام القادمة سيُقدِّم لنا الروح القدس وجبة روحية مفرحة في الصباح والمساء 2 . لذلك لا ينبغي أن يتغيّب أحد بإرادته عن هذه البركة الروحية. فلنتناول جميعاً من الكأس الروحي النقي والذي قدمته لنا الحكمة، بعدما فرحنا معاً، لكى ينهل منه كل أحد على قدر ما يستطيع. لأن الحكمة “ذبحت ذبحها مزجت خمرها” (أم 2:9). أى أنه هذا هو طعام الكاملين الذين “بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخير والشر” (عب5 :14) إن الغنى يتحقق بهذا، طالما أننا قد شبعنا به، ويا ليتنا نكون مستحقين لشركة الفرح ونُحسب ضمن قائمة العرس في شركة يسوع المسيح ربنا الذي له المجد والقوة إلى الأبد أمين.
1 بحسب فكر آباء الكنيسة، فإن الصوم تصاحبه الصلاة ولا يمكن قبول الواحد دون الآخر.
2 هذه إشارة إلى الكلمة التي ألقاها القديس باسيليوس، في صباح اليوم ومسائه.
✥ ١- القدّيسون الأبرار يوحنّا وموسى وأنطيوخوس وأنطونينوس‎ ‎‏(القرن5م)‏: أورد ذكرهم ثيودوريتوس أسقف قورش، في تاريخ أصفياء الله. يوحنا كان تلميذ وصديق القديس ليميناوس الذي أتينا على ذكره البارحة. علاوة على سائر الفضائل التي سلك فيها امتاز بلطفه ووداعته. جعل إقامته على قمة شامخة معرضة للأعاصير من جهة الشمال. أمضى عليها إلى الزّمن الّذي كتب عنه فيه ثيودوريتوس خمسًا وعشرين سنة يحتمل تقلّبات الأحوال الجوية. تسامى على كلّ ما هو بشريّ حتى لم يتوخَّ أيّ تعزية بشريّة. مثال ذلك أنّ أحد أصدقائه كان قد نصب بالقرب مـــن موضعه غرسة لوز. ومع الوقت نمت اللوزة وأصبحت شجرة يستظل تحتها ويتمتع بجمالها. فأمر أن تُقطَع لئلّا يناله تعزية بوجودها بالقرب منه.
وهناك أيضًا موسى الذي أقام في جبل يُطلّ على بلدة تدعى راما. وقد اختار السيرة نفسها.
كذلك أنطيوخوس، الرجل الشيخ، ابتنى لنفسه داراً مغلقة على جبل قاحل جدًّا.
وهناك أنطونينوس الذي يمارس هذا الجهاد نفسه كالشباب بجسم أضنته السنون.
وللجميع لباس واحد وطعام واحد وصلاة واحدة وعمل متواصل في الليل وفي النهار. فلا طول الوقت ولا الشيخوخة ولا التعب حدّ من صبر هؤلاء الأبطال، بل لهم في ذاتهم اندفاع إلى العمل لا حد له.
✥‏ ٢- القدّيسون الأبرار زبيناس وبوليخرونيوس وموسى وداميانوس‎ ‎‏(القرن5م)‏‎: كتب سيرتهم ثيودوريتوس القورشيّ. حتّى الشّيخوخة ظلّ زبيناس محافظًا على نشاطه عينه دون ان تضطره أثقال الشيخوخة إلى تغيير شيء مما اعتاد ممارسته في شبابه. وقد قيل إنّه فاق جميع أبناء عصره في مثابرته على الصلاة. كان يقضي فيها أياماً وليالي لا يرتوي. كان دوماً يشتاق إلى المزيد. وعندما كانوا يأتون لزيارته كان يتكلم قليلاً لئلا يصرف ذهنه عن السماويات. وما ان ينصرف الزوار من عنده حتى يعود إلى ابتهالاته كأنه لم يفترق لحظة عن إله العالمين. ولما طعن في السن وصار الوقوف عليه صعباً أخذ يستعمل عصا يستعين بها على الوقوف أو كان يرفع إلى الرب ترانيمه وصلواته وهو مستند عليها.
هذا وكان زبيناس مضيفاً للغرباء. يستضيف الكثيرين حتى المساء. أمّا هم فخوفًا من أن يضطروا إلى وقوف اللّيل بطوله نظيره كانوا يتعللون بعلل الخطايا لينجوا بأنفسهم من مماثلة ممارساته الشاقة.
ويستفاد من ثيودوريتوس أنّ القدّيس مارون النّاسك (١٤ شباط) كان معجباً به كل الإعجاب وكان يحرّض تلاميذه على الذهاب إليه لأخذ بركته. كان يسميه أباه ومعلمه ويعتبره مثالاً لكل فضيلة. وقد طلب ان يُدفن بجانبه لكن ذلك لم يحدث. لمّا مات زبيناس جعلوه في قرية اسمها كتيكة. هناك ابتنوا له ضريحاً فخمـــاً ووضعوا جسده في ناووس. وقد فاض بالأشفية على الذين أتوا إليه من كل صوب بإيمان. وينهي ثيودوريتوس كلامه عنه بالقول انه يرقد الآن بجانب قديسين استشهدوا في بلاد فارس ونحن نحتفل بتذكارهم كل سنة.
أمّا بوليخرونيوس فتلميذ زبيناس هو الّذي ألبسه أول ثوب من الوبر. ويعتبر ثيودوريتوس أنّ بوليخرونيوس صورة عن زبيناس. فهو على مثاله، مشتعل بحب الله ومرتفع فوق كل ما هو أرضي. دائم الإنشغال بالمشاهدة الإلهية. لا يترك لنفســـــه مجالاً ان تحيد عن الله. وإذا ما أتاه زائرون أجال نظره في العلاء. كان يقضي الليل بطوله ساهراً واقفاً. عرف ثيودوريتوس ذلك عرضاً. إذ لما أصبـــح بوليخرونـيــــوس مثقلاً بعبء الشيخوخة ومرهقاً ولا من يساعده، ألح عليه ثيودوريتوس ان يتخــــــــذ لنفسه رفيقين يعينانه. فجاءه ناسكان معروفان بفضيلتهما. وما ان انقضى عليهما وقت قصير معه حتى فكرا بالهرب لعدم استطاعتهما قضاء الليل كله واقفين نظيره. ولما طلب ثيودوريتوس من بوليخرونيوس ان يتكيف قليلاً مع ضعف جسده قال: “أنا لا ألزمهما بالإستمرار واقفين معي بلا انقطاع بل رجوتهمــــا مــــراراً ان يستريحا. لكنهما كانا يعترضان قائلين: كيف نستريح ونحن نتمتع بالصحة والشباب فيمــــا نراك، وقد شبت في الأتعاب واقفاً غير مكترث بأتعابك؟”.
أمّا موسى و داميانوس فتلميذا بوليخرونيوس اكتسبا مع الوقت، من الفضيلة ما ضاهيا به معلمهما. موسى لازم الشيخ كأبيه وسيده. أمّا داميانوس فانتقل إلى بلدة غير بعيدة تسمى نيارا. هناك وجد بيتا صغيرا على مقربة من البيدر وصار يسلك في الطريقة نفسها التي سلك فيها معلّمه. وقد كان على البســـاطة نفسها وكذلك الوداعة والاتزان وعذوبة الصوت والنعومة في التعاطي مع الناس والوعي الروحي والقيام وقوفا والأعمال الشاقة والسهر والصلاة والفقر . لم تكن في صومعته سوى سلّة صغيرة من العدس المسلوق.
وبالعودة إلى الكلام على بوليخرونيوس نقول إنّه اهتمّ دائماً بإخفاء ما يقوم بـــه من الأعمال الشاقة . فالسلاسل الحديدية التي اعتاد حملها تخلى عنها وطلب ان يؤتى له بقطعة من أصل سنديانة ثقيلة جداً كان في الليل يحملها على كتفيه ويصلّي تحت عبئها، ثم يخفيها في زاوية. وقد شاهده أحدهم. ولما أراد ثيودوريتوس أن يختبر ثقلها لم يستطع ان يرفعها بكلتا يديه إلا بصعوبة.
هذا وقد زهت نعمة الله في بوليخرونيوس وأتت صلاته بمعجزات كثيرة. وكان على تواضع كبير حتى كان يقبل قدمي كل واحد من الزوار القادمين إليه ممرغاً أمامه جبهته بالتّراب لا فرق أجنديًّا كان الزائر أم صانعاً أم فلاحاً.
ويستفاد أيضاً من شهادة ثيودوريتوس أنّ الآلام المتنوعة التي أصابت بوليخرونيوس لم تستطع ان تخفف شيئا من حبه للتعب. كان يتابع ممارسة مهامـــــــه نفسها ويؤثر الفقر على كل ممالك العالم حتى لم يكن له قط ما يكفيه لسد حاجته من الطعام. ويشهد ثيودوريتوس أنّه لم يذهب إليه مرة وكان لديه أكثر من تينتَينِ مُجفّفتَينِ.
ويختم كاتب سيرته عنه كلامه بالقول انه لم يصادف قط إنسانًا – حتّى ممّن طبعهم الانتقاد – قال كلمة بحقّه، بل بالعكس كلّهم يتغنّون به ويشيدون بذكره والّذين يزورونه لا يريدون أن يتركوه.
✥ ٣- القدّيس الشّهيد كليمنضوس‎: مات بحدّ السّيف.
✥ ٤- القدّيسة الشّهيدة ثيا‎: قضت بحدّ السّيف.
✥ ٥- القدّيس البارّ يوحنّا الحصّاد (القرن11م)‏: من صقلية. وقعت أمه في أسر المسلمين لكنه تربى على الإيمان بالمسيح. عاد إلى كلابريا واعتمد وهو في سن الرابعة عشرة. أحب أن يقتدي بالقديس يوحنا المعمدان نموذج حياة لنفسه. انضم إلى ناسكين، أمبروسيوس ونيقولاوس، عاشا على قمة كونسولينو. كان تلميذاً مثالياً، مطيعاً نشيطاً في العمل والصلاة. عُرف بالحصّاد لأنه خرج إلى الحصاد مرة فهبت عاصفة هوجاء. كل الحصادين تفرقوا إلا هو. ولما عادوا وجدوا الزرع محصوداً ومجموعاً في حزم فلقبوه ب “الحصّاد”. اختاره الإخوة رئيسًا عليهم وعُرف الدّير، فيما بعد، باسمه. لما رقد أجرى الله برفاته العجائب.
✥ ٦- القدّيس البارّ داميانوس الأثوسيّ (١٢٨٠ م): ترهّب شابًا في دير اسفيغمانو في جبل آثوس، كان مطيعًا لا للرئيس وحسب بل لجميع الإخوة أيضًا كما لله نفسه. أضحى نموذجًا للحياة الملائكيّة يُحتذى. كان يشتاق إلى الصلاة المتواصلة. إستأذن أباه الروحيّ وتنسّك في جبل السامرة، على مقربة من الدير. ولكي لا يغتّر بنفسه كان يتبع مثال أحد النسّاك في الجهاد والأتعاب ويسير على خطاه. فاجأته عاصفة مرة وهو عائد إلى قلاّيته، استجار بالله للحال وجد نفسه على باب منسكه. رقد بسلام في الربّ في السنة 1280م، فاض الطّيب من جسمه وفاحت رائحته حتّى إلى مسافة ميل من الدّير.
✥ ٧- القدّيس الجديد في الشّهداء لعازر البليوبونيزيّ: أصله من قرية البليوبونيز. نشأ على التقوى ومخافة الله. صار كاهنا. علّم ووبخ المنافقين. أحد هؤلاء قبض عليه الأتراك وحكموا عليه بالموت، لكنه كفر بالمسيح فأُعفي عنه. هذا دعا الأب لعازر الى الكفر بالمسيح، الا أن الاب لعازر زجره وردّه فحقد عليه واختلق الأكاذيب في شأنه. قبض الأتراك على الاب لعازر وحاكموه. اعترف بإيمانه بالمسيح وتمسك به. حاولوا استمالته ففشلوا. عذبوه فلم يُجْدِ التعذيب فألقوه في النار أمام عيون كل أهل القرية. أمه كانت حاضرة فأخذت تشجّعه على الثّبات في الإيمان بالرّبّ يسوع إلى النّهاية وألّا يخشى الموت. استحال رمادًا. واستضاء مكان إعدامه بنور إلهيّ ثلاثة أيّام. جاء مسيحيّون وجمعوا رماده الّذي جرت به عجائب وأشفية جمّة.
✥‏ ٨- القدّيسة غورغونيا ‎‏(القرن4م)‏: هي الأخت البكر للقدّيس غريغوريوس اللاهوتي. والداها، غريغوريوس و نونا، كلاهما قدّيس في كنيسة المسيح. أخذت عن أبويها الغيرة على الإيمان. تزوجت وأنجبت ثلاث بنات. أثّرت في زوجها، أليبيوس، فأضحيا معاً رفيقين في جهاد الفضيلة. كانت، بين النساء، مثالاً للمرأة المؤمنة يُحتذى لهدوئها وخفرها واتزانها ورجاحة عقلها واهتماماتها الإلهية واحتشامها وتقواها. كثيرة الأصوام والصلوات. كان العديدون يسترشدون لديها لحكمتها وفهمها ورزانتها. توقيرها لكنائس المسيح والكهنة والخدّام كان مميزاً. عديدة كانت حسناتها. كانت كأيوب الصدّيق عيناً للعميان ورجلاً للمقعدين وأماً لليتامى. كل ما لديها كانت توزّعه على الفقراء حتى لم تخلّف وراءها قنية غير جسدها. وكل ما كانت تعمله كان في الخفاء عن عيون الناس. وقعت من عربتها يوماً وجرّرتها العربة فترضّضت وتجرّحت. ولكن لخفرها وحيائها لم تعرض نفسها للطبيب. اكتفت بالصلاة والاتكال على الله فتعافت بشكل عجيب. اعتمدت في سن متقدمة كما كانت العادة في تلك الأيام وباتت في شوق لأن تنضم بالموت إلى ربّها. عرفت بيوم رقادها سلفاً. جمعت أخصّاءها وزوّدتهم بنصائحها. مرضت قليلاً وماتت ميتة الأبرار القدّيسين.
✥‏ ٩- القدّيس البارّ الكسندروس مؤسّس رهبنة الذين لا ينامون‎ ‎‏(+430م)‏: ولد في منتصف القرن الرابع الميلادي. تلقى العلم في القسطنطينية. خدم عسكرياً لبعض الوقت. زهد في أمور الحياة الدنيا. مس قلبه قول للرب يسوع: “إذا أردت أن تكون كاملاً فاذهب وبع كل مالك ووزعه على الفقراء فيكون لك كنز في السماء” (متى21:19). على الأثر وزع خيراته على الفقراء وخرج إلى دير في سوريا على رأسه راهب تقي اسمه إيليا. أمضى ألكسندروس في الدير أربع سنوات سلك خلالها في الصلاة والفضيلة بجد واجتهاد. ولكن، شق عليه أن معيشة الرهبان في الدير مؤمنة بعناية الأب الرئيس. كان يعتبر أن الراهب لا يليق به أن يهتم بأمر الغد. وإذ كان كلياً في تطلعاته، انسحب إلى الصحراء مكتفياً بالإنجيل رفيقاً رغب في السير في ركبه كلمة كلمة. أقام في البرية سبع سنوات مقتدياً بإيليا النبي ومسترشداً بروح الرب القدوس دونما اهتمام بحاجات الجسد. وبعدما اكتملت سنواته السبعة خشي أن يُحسب عبداً كسولاً. وإذ احتدت فيه الغيرة الرسولية، توجه إلى مدينة في بلاد ما بين النهرين حيث دك بيديه وقيل بنار من السماء هيكل الأوثان. وقد تمكن من هداية مقدم المدينة ويدعى رابولا. رغب فيه أهل المدينة أسقفاً عليهم فلم يشأ. سدوا الأبواب ليمنعوه من المغادرة ففر بالطريقة نفسها التي فر بها الرسول بولس من مدينة الدمشقيين. سلك طريق البرية وهدى عصابة من اللصوص. وبنعمة الله جعلهم جماعة رهبان. أقام عبر الفرات عشرين سنة يصلي نهاريه في الجبال ويلجأ في الليل إلى ما يشبه البرميل. وإذ انتشر إشعاعه تدفق عليه التلاميذ فبلغوا الأربعمائة عدداً. حرص الكسندروس على حظ أحكام الإنجيل بدقة. علمهم أن يسلموا أنفسهم بالكامل لعناية العلي. فصاروا يكتون مما يحصلونه لمعيشتهم بما يكفيهم يوماً فيوماً والباقي يوزعونه على المحتاجين. لم يكن للواحد منهم إلا ثوب واحد. همهم الأكبر كان رفع الصلوات والتسابيح إلى الإله العلي. قولة الرسول بولس إلى أهل تسالونيكي كانت تقض الكسندروس. كيف يحقق الصلاة المتواصلة والطبيعة البشرية على ما هي عليه من الضعف؟ ثلاث سنوات قضاها القديس في الصوم والصلاة الحارة إلى الله في هذا الشأن. في نهايتها رأى في رؤيا كيف يمكن الاقتداء بالقوات الملائكية على الأرض. قسم رهبانه إلى أربع فرق وفق جنسية كل منهم: يونانيين ورومانيين وسوريين ومصريين. وقد شاءهم أن يتوزعوا الليل والنهار ليقيموا أربعاً وعشرين خدمة تفصلها قراءات من المزامير والكتاب المقدس بحيث يستمر عمل التسبيح دونما انقطاع اليوم كله ويبقى للرهبان وقت لإتمام الأشغال الديرية والقراءات والصلوات الشخصية. هذه الجماعة هي التي كانت في أساس الطريقة المعروفة بطريقة الذين لا ينامون والتي تعبر عن اشتراك الرهبان في عمل الملائكة الدائم في تسبيح الثالوث القدوس. على أن غيرته الرسولية كانت ما تزال متقدة فيه فوجه إرساليات إلى قبائل وثنية في الجنوب المصري. ثم غاص هو ومائة وخمسون من رهبانه في عمق الصحراء السورية، بين الفرات وتدمر، معتمداً بالكلية في معيشته ومعيشة من معه على حسنات الناس. البخلاء في تدمر أوصدوا أبواب بيوتهم دونه وردوه. تحول إلى أنطاكية. هناك أيضاُ تعرض وجماعته لاضطهاد أسقف المدينة. لكنه تسلل ومن معه أثناء الليل إلى الحمامات العامة المهجورة وأخذوا يقيمون فيها الصلوات فأحالوها ديراً. ومن دون أن يذيع عن نفسه كلمة فاحت رائحة قداسته وصلاته ومحبته فأخذ الناس يهجرون كنائسهم ويتحولون إليه. جعل القديس يعلمهم ويفصل في نزاعاتهم. ولم يتورع من اتهام أسقف المدينة والحاكم بالتهاون والإهمال. كذلك اهتم بالفقراء أكثر من اهتمامه بمعيشة رهبانه. أنشأ مضافة وأخذ يستقبل المعوزين. وأن بعضاً من كهنة المدينة غار منه ومن نجاحه السريع فعمل على طرده من المدينة. ويبدو أنه عومل معاملة قاسية. انتقل الكسندروس من هناك ليزور تلاميذه الموزعين في البلاد السورية. أكمل طريقه إلى القسطنطينية حيث أقام وأربع من رهبانه بقرب كنيسة القديس ميناس. ولم يمض عليه هناك وقت طويل حتى انضم إليه ثلاثمائة راهب: رومانيين ويونانيين وسوريين. كانوا رهباناً سمعوا به – لأن اسمه شاع- فتركوا أديرتهم وجاؤوا إليه. وزعهم على ثلاث فرق، كل فرقة جوقتان واتبع نظامه الأول بشأن الصلاة والتسبيح المستمرين. لكنه لم ينعم بالسلام طويلاً. رؤساء الأديرة التي خرج منها هؤلاء الرهبان اشتكوا واعتبروا عمله جريمة حتى أنه أدين في أحد المجامع كهرطوقي بحجة أنه يكتفي من الحياة المسيحية بالصلاة كجماعة المصلين Missaliens دون سائر الأعمال الإنجيلية الأخرى. قيدوه بالسلاسل وألقوه في السجن وصدر الأمر إلى رهبانه بالعودة إلى أديرتهم التي خرجوا منها. بعد ذلك أخرج القديس إلى البلاد السورية ومُنع من جمع الرهبان. ولكن ما أن جرى إطلاق سراحه حتى عاد الرهبان وانضموا إليه من جديد. هكذا عانى الكسندروس الاضطهاد من مكان إلى مكان. أخيراً وجد ملاذاً في دير القديس هيباتيوس ونعِم باهتمام الإمبراطورة وحسن معاملتها. من هناك توجه إلى البحر الأسود وأسس ديراً ضم ثلاثمائة من الرهبان في المكان المعروف بـ “غومون”. هناك رقد في الرب عام 430 بعد جهاد مرير في الحياة الرهبانية والعمل الرسولي داما خمسين سنة. هذا وقد نشر تلاميذ القديس الكسندروس الصلاة المتواصلة في عدة مواضع من الإمبراطورية في زمن تلميذه مركلوس انتقل دير الذين لا ينامون إلى مكان قريب من عاصمة الإمبراطورية وأضحى النموذج الذي اعتمده العديدون في تأسيس أديرتهم. نخص بالذكر في هذا الشأن، دير ستوديون المشهور. ومع أن نمط الذين لا ينامون لم يعد قائماً اليوم إلا أنه مما لا شك فيه أنه أثر تأثيراً كبيراً في تكوين الدورة الليتورجية اليومية الكنسية، سواء في الشرق أو في الغرب.
✥‏ ١٠- القدّيس الشّهيد في الكهنة بوليكاربوس أسقف أزمير (+156م‎(‎: ورد خبر استشهاد القدّيس بوليكاربوس في رسالة رعائيّة حرّرتها الكنيسة في إزمير بعد استشهاده بقليل. هذا كان مطلع الرسالة:” من كنيسة الله فاتي في إزمير إلى كنيسة الله التي في فيلوميلو (فيرجية) وإلى كل الكنائس التي من الكنيسة الجامعة المقدسة…” النص الذي اعتمدناه هو الوارد في كتاب “الآباء الرسوليون” الذي نقله عن اليونانية المثلث الرحمات البطريرك الياس الراع (معوّض) (منشورات النور 1983) . دونك أبرز ما ورد في الرسالة. كتبنا لكم أيها الإخوة عن الذين استُشهدوا وخصوصا عن البار بوليكاربوس الذي انتهى بالاضطهاد إلى الاستشهاد. الحوادث التي سبقت استشهاده وقعت كلها ليُظهر لنا الرب من السماء صورة للشهيد حسب الإنجيل. انتظر بوليكاربوس ان يُسلِّم كالسيد حتى نتشبه به نحن لأن المحبة الحقيقية والأكيدة لا تعني الخلاص الذاتي فحسب بل خلاص كل إخوتنا أيضا. مغبوطة وبطولية الاستشهادات التي تمت حسب ارادة الله. علينا ان ننسب تقدمنا في التقوى إلى الله ذي القدرة والسلطان الشامل. لقد بلغت عظمة النفس في هؤلاء المعترفين بحيث لم تفُتّهم انه من انّاتهم أو عصّة من غصّاتهم فأدركنا في هذه الساعة التي كانوا فيها يتعذبون انهم كانوا فرحين يعيشون وهم يستشهدون خارج أجسادهم أو قل كان المسيح بذاته حاضرا يخاطبهم. وكان انتباههم لصوت النعمة الإلهية يُحقر في أعينهم كل عذابات الدنيا. بساعة واحدة كانوا يربحون الحياة الأزلية. كانت النيران الوحشية التي يشعلها الجلادون بردا بالنسبة للنار الأبدية المستعرة التي كانوا يرونها. كانوا يتأملون في وسط العذاب الخيرات المعدّة للذين يتعذّبون. وما كانوا في هذه اللحظة بشرا بل ملائكة. كان بوليكربوس أعظم الشهداء. بقي في المدينة ولم يُرد ان يتركها. لم ينزعج قط عندما اطّلع على كل ما جرى. بعد إلحاح الأكثرية انسحب إلى مكان ليس ببعيد عن المدينة. كان يقضي نهاره وليله بالصلاة من أجل البشر ومن أجل الكنائس. تراءت له رؤيا قبل ثلاثة أيام من تقييده وهو يصلي. رأى وسادته تحترق فقام إلى رفقائه وقال لهم “سأحرق حيا”. ولما كان طالبوه يُلحّون في طلبه انتقل إلى مكان آخر. وصل الشرطإلى المكان الذي ترطه. ألقوا القبض على عبدين فاضطر أحدهم تحت طائلة التعذيب ان يعترف. وصلوا إلى المكان. كان بوليكربوس يرقد في غرفة في الطابق الأعلى من البيت. كان بإمكانه ان ينتقل إلى مكان آخر إلا انه لم يُرد مكتفيا بالقول “لتكن إرادة الرب”. عندما سمع صوت الشرط نزل من غرفته وأخذ يخاطبهم فأثارت شيخوخته بهدوئها إعجابهم. دعاهم وقدم لهم في تلك الساعة المتأخرة من الليل طعاما وشرابا ورجاهم ان يسمحوا له بساعة ليصلي بحرية فوافقوا. غرق واقفا في صلاة مدة ساعتين وكانت النعمة الإلهية تملؤه. اندهش سامعوه وأسفوا. عندما انتهى من صلاته أركبوه حمارا وقادوه إلى مدينة إزمي. كانذلك يوم السبت العظيم. في طريقه التفى بالقائد هيرودوس وأبيه نيقيتا فأصعداه إلى عربتهما وحاولا ان يُقنعاه قائلين “ما ضرّك لو قلت للقيصر يا سيدي وذبحت وقمت بما يتبع هذه الذبيحة ونجوت؟ بقي بوليكربوس صامتا إلا انه تحت إلحاحهما اضطر ان يقول لهما :”لن أفعل ما تنصحاني به”. وعندما يئسا من إقناعه أمطراه شتما وسبّا ودفعاه بوحشية خارج العربة فسقط على الأرض وانسلخ جلد ساقه لكنه قام وتابع طريقه فرحا. عندما دخل الملعب جاءه صوت من السماء يقول له “تشجع وتقوّ يا بوليكربوس”. خاصتنا التي كانت موجودة هناك وحدها سمعت وأدركت. ولما مثل أمام الحاكم حاول الوالي إقناعه قائلا:” احترم شيخوختك”. ثم أردف: “احلف بقوة قيصر الإلهية وتبّ وقل فليسقط الملحدون. احلف فأطلق سراحك. اشتم المسيح. فأجاب بوليكربوس: “ستة وثمانون سنة وأنا أخدم المسيح فلم يسئ إليّ بشيء فلماذا أشتم إلهي ومخلصي؟”. قال الوالي عندي وحوش ضارية. إني مُلقيك إليها إذا لم تتراجع. قال الأسقف “مَرحا!” قال الوالي: “إذا لم تتب فسأُهلكك فوق المحرقة ما دمت تحتقر الوحوش الضاري”. قال بوليكربوس: “انك تهددني بنار تشتعل ساعة واحدة ثم تنطفىء. أتعرف نار العدالة الآتية؟ أتعرف أي عقاب ينتظر الأثمة؟ هيا! لا تتوان، قرّر ما تريده”. كان الفرح يغمر بوليكربوس وكان ثابتا في أجوبته ويشعّ نعمة إلهية. فأرسل الوالي مناديه ليعلن في وسط الملعب ثلاث مرات ان بوليكربوس اعترف انه مسيحي. امتلأ الوثنيون واليهود غضبا. “هذا هو معلم آسيا وأب المسيحيين مدمّر آلهتنا الذي منع بتعليمه الكثيرين من تقديم الذبائح وعبادة الآلهة. فصرخ الجميع بصوت واحد أن يُحرق حيا. حدث كل ذلك بسرعة. أخذت الجموع تجمع الحطب والأخشاب من المعامل والحمّامات. وعندما أُعدّت المحرقة خلع بوليكربوس ثيابه وفكّ زنّاره وحاول ان يخلع حذاءه. كان المؤمنون يتسابقون لمساعدته بغية لمس جسده. كانوا يكرمونه لقداسته قبل ان يستشهد. ولما أراد الجلاّد تسميره قال: دعني حرّا. ان الذي أعطاني القوة لملاقاة النار يعطيني قوة لأبقى بلا حراك فوق المحرقة. لم يسمّره الجلاّد بل اكتفى بربطه وربط يديه وراء ظهره. رفع عينيه إلى السماء وقال: أباركك أيها الرب الكلي القدرة لأنك أهّلتني لأكون في عداد شهدائك ومن مساهمي كأس مسيحك لقيامة الروح القدس في الحياة الأبدية بدون فساد. فلأكن في حضرتك كذبيحة مقبولة. وأوقد الرجال النار فارتفعت عالية وهّاجة. في تلك اللحظات حصلت معجزة رآها البعض وآثرنا ان نبقيها سرا على الآخرين. كانت النار ترتفع بشكل قبّة تحيط بالجسد. كان الشهيد يقف في الوسط لا كلحم بتحترق بل كخبز يشوى او كذهب او فضة وُضعت في البوتقة وكنا نتنسّم رائحة كأنها البخور أو عطور نادرة ثمينة. غير أن الأثمة لما رأوا النار قد عجزت عن إهلاك جسسده أرسلوا جلاّدا فضربه تبحربة فخرج دم وأطفأ النار. بين كل الشهداء نعتبر بوليكربوس شهيدا لا يُبارى. كان نبيا ومعلما مليئا بروح الرسل والأنبياء. ولما رأى الشيطان الحسود الخبيث عظمة الشهيد عمل عمله ليمنعنا من حمل جسد الشهيد. فقد ألقى قائد المئة الجسد وسط النار وأحرقه حسب عادة الوثنيين. فيما بعد تمكنّا من إخراج عظامه التي فاقت قيمتها اللآلىء وكانت أشرف من الذهب النقي المختبر في البوتقة، ووضعها في مكان لائق. وكنا نجتمع والفرح يملأنا والسرور يغمر قلوبنا وقدكان يوم استشهاده كيوم ميلاده وتذكارا لأولئك الذين جاهدوا قبلا والذين يستعدّون ويتهيأون لمثل هذا اليوم العظيم. لم يكن بوليكربوس معلما شهيرا وحسب بل شهيدا لا مثيل له. كم نتمنى ان نقتدي به وبآلامه المنطبقة كليا مع روح إنجيل المسيح. بصبره وثباته تغلّب على القاضي الظالم وربح إكليل الخلود. انه الآن مع الرسل والصالحين يمجّد الله الكلي القدرة بالفرح ويبارك سيدنا يسوع المسيح سيد أجسادنا وراعي كنيستنا المنتشرة في أنحاء العالم. هذا أبرز ما وردفي سيرة القديس بوليكاربوس كما وضعتها رعية إزمير. الكاتب، ويدعى إيفارستوس، يختم الرسالة بتحديد تاريخ الشهادة على الوجه التالي: “لاقى بوليكربوس عذاب الاستشهاد في اليوم الثاني من شهر كسنتيكوس قبل سبعة أيام من آذار، يوم السبت العظشم. في الساعة الثامنة أسره هيرودوس في أيام رئيس الكهنة فيليبس تراليانوس. كان استاتيوس كودراتوس حاكما لمعاطعة آسيا”. أمبراطور رومية يومها كان أنطونيوس بيوس. بالإضافة إلى هذه السيرة، أورد أفسافيوس القيصري، صاحب التاريخ الكنسي، رواية للقديس إيريناوس، أسقف ليون، عن بوليكاربوس قال فيها انه لم يتلقّ تعليمه من الرسل فقط ولا تعرّف على الكثيرين ممن زاروا المسيح وحسب، بل ان الرسل أيضا أقاموه في آسيا أسقفا على كنيسة إزمير. ويضيف: “ونحن أيضا رأيناه في فجر شبابنا لأنه عمّر طويلا ومات في شيخوخة متقدّمة جدا ميتة استشهاد مجيد بعد ان نادى بصفة مستمرة بما تعلّمه من الرسل من التعاليم التي سلّمتها إلينا أيضا الكنيسة.. يشهد لهذه الأمور كل كنائس آسيا..” ويورد إيريناس خبر تباحث بوليكاربوس مع أنيقيتوس، أسقف رومي، في شأن التعييد للفصح أي يوم يكون. كما يشير إلى ان هناك من سمعوا من بوليكربوس ان يوحنا تلميذ الرب، إذ أراد الاستحمام في أفسس، مرة، رأى كيرنثوس، وهو هرطوقي، داخل الحمّام، فغادره في الحال دون ان يستحمّ صارخا: لنهرب لئلا يسقط الحمّام لأن كيرنثوس، عدو الحقّ، بداخله. كذلك يلفت إيريناوس إلى ان هناك رسالة قوية جدا لبوليكاربوس كُتبت إلى أهل فيليبي يستطيع كل من أراد، وكل من يُعنى بأمر خلاص نفسه، ان يتعلم منها طريقة إيمانه والكرازة بالحق. رسالة بوليكربوس إلى أهل فيليبي ما تزال موجودة إلى اليوم. دونك مختارات مما ورد فيها: “صلوا من أجل القديسين، من أجل الملوك والرئاسات والسلاطين ومن أجل الذين يضطهدونكم والذين ينغضونكم ومن أجل أعداء الصليب حتى تكون ثماركم واضحة وتكونوا كاملين في الله”. “أنصحكم بالابتعاد عن البخل وان تكونوا أنقياء محبّي الحقيقة. ابتعدوا عن كل شر. الذي لا يستطيع ان يضبط نفسه كيف يمكنه ان يوجّه الآخرين ويقودهم. من لا يبتعد عن البخل يتّسخ بالوثنية. “لا تتأخروا عن فعل الإحسان فالإحسان يخلّص من الموت. لا تكونوا سببا لشتم الرب. ويل للذين يُشتم اسم الرب بسببهم. علّلموا جميعا الوداعة التي تعيشون فيها”. “يجب ان نترك الخطب البطالة والتعاليم الخدّاعة ونعود إلى التعليم الذي نُقل إلينا منذ البدء. لنكن يقظين في الصلاة والصيامات ولنطلب من الله الذي يرى الكل ان لا يدخلنا في تجربة”. “يجب أن يكون الشيوخ شفوقين رحماء نحو الجميع… ويتجنّبوا كل غضب ومحاباة الوجوه ومحاكمة الخاطىء.. ولا يصدّقوا فورًا ما يُقال عن شرور الآخَرين، ولا يكونوا قساة في أحكامهم واضعين أمام أعينهم أنّنا جميعًا معرَّضون للخطيئة. إذا كنّا نطلب من الله أن يغفر لنا فعلينا أن نغفر للآخرين. ونحن كلنا تحت أعين ربنا..”. تعيد له كنيستنا الأرثوذكسيّة في الثالث والعشرين من شهر شباط.