ما يجمع رئيس الجمهورية جوزيف عون بحاكم مصرف لبنان كريم سعيد ليس علاقة مواقع أو بروتوكول، بل شراكة واضحة في خيار واحد: إخراج الدولة من قبضة المنظومة التي دمّرتها. هذه العلاقة وُلدت من لحظة قرار، لا من تسوية، ومن إرادة تغيير فعلية لا من خطابات إصلاحية للاستهلاك الإعلامي.
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لم يعد مصرف لبنان خزنة سائبة بيد السياسيين، ولم يعد الحاكم جزءًا من اللعبة. كريم سعيد، مدعومًا بغطاء رئاسي صريح، قرّر أن يضع حدًا لمرحلة انتهت بالانهيار، وأن يفصل النقد عن السياسة، والمصرف المركزي عن شهيّة السلطة. هذه الخطوة لم تكن سهلة ولا عادية، لأنها كسرت عرفًا مريضًا اعتادت عليه الطبقة السياسية: الصرف بلا محاسبة، والتمويل بلا سقف، ثم الهروب من المسؤولية.
فتح ملفات الماضي، كسر الصمت عن “الصندوق الأسود”، والذهاب نحو محاسبة من تولّوا القرار المالي في السنوات السابقة لم يكن ليحصل لولا هذا التفاهم الواضح مع رئيس الجمهورية. جوزيف عون لم يساير ولم يهادن، بل أعطى الضوء الأخضر ووفّر الغطاء الكامل للقضاء وللمؤسسات كي تمشي في الطريق الإصلاحي، مهما كانت الأسماء كبيرة أو محصّنة سياسيًا.
طبيعي أن تزعج هذه العلاقة كثيرين. طبيعي أن تبدأ محاولات التشويش والاختراق وبث الشائعات. ما نشهده اليوم من هجوم منظّم على حاكم مصرف لبنان ليس صدفة ولا اختلافًا في وجهات النظر، بل تعبير مباشر عن خوف حقيقي لدى المتضرّرين. هؤلاء اعتادوا أن يكون لهم دور، وحصّة، وكلمة فصل، وهم اليوم يشعرون أن اللعبة تغيّرت وأن نفوذهم يتآكل.
من يريد أن يغيّر في لبنان يعرف أن الثمن سيكون قاسيًا. اغتيال معنوي، حملات إعلامية، تشويه مقصود، وضغط سياسي من كل الجهات. هذه ليست معركة تقنية بل مواجهة مع منظومة كاملة، ومن الطبيعي أن تستخدم كل أسلحتها دفاعًا عن نفسها.
ورغم ذلك، تبدو هذه العلاقة صامدة. لأن ما يجمع عون وسعيد ليس مصلحة شخصية ولا حسابات آنية، بل قناعة بأن لبنان لا يمكن أن يُنقذ بنصف حلول ولا بإصلاحات تجميلية. إما دولة بمؤسسات مستقلة وقضاء فاعل ومصرف مركزي يحمي المال العام والمودعين، أو عودة إلى الفوضى نفسها التي أوصلتنا إلى القاع.
الهجوم سيستمر، والضغوط ستزداد، لكن الواضح أن هذا المسار ماضٍ إلى النهاية. ليس لأنه سهل، بل لأنه ضروري. وفي بلد أنهكته التسويات، قد تكون هذه أول مرة يُدفع فيها ثمن التغيير… من أجل لبنان، لا على حسابه.



