كلمة النائب سيمون أبي رميا في جلسة مناقشة الموازنة

دولة الرئيس،
دعونا نكون واضحين، ومن دون لفٍّ أو دوران:في هذا الملف، لا يحقّ لأحد أن يزايد على الآخر.
منذ عشرات السنين، لم تُقَرّ في هذا البلد ولا مرة واحدة موازنة إصلاحية.
جميع الموازنات التي أُقِرّت كانت موازنات ترقيعية،
موازنات محاسبية،
موازنات لا تطرح سوى سؤال واحد:
كم لدينا من إنفاق؟ وكيف نؤمّن إيرادات لتغطيته؟
وانتهى الأمر.

لذلك، ومن دون نفاق سياسي، ومن دون الكذب على الناس:
هذا المنبر ليس منبر مزايدات شعبوية، ولا منصة انتخابية عشية الاستحقاق النيابي.
من هذا المنبر نريد أن نتحدث بواقعية، لأن الناس انتخبتنا لا لنكذب، ولا لنقدّم وعودًا يعلم الجميع أنها غير قابلة للتنفيذ.
اليوم، كل من يقدّم نفسه على أنه حامل لواء “الموازنة الإصلاحية” ويغرق في الشعارات الرنانة،
هو نفسه كان شريكًا في موازنات بلا رؤية ولا إصلاح على مدى عشرين وثلاثين وأربعين سنة. المزايدات الشعبوية اليوم لا قيمة لها، لأن المشكلة ليست في الموازنة وحدها،
المشكلة في النظام بأكمله. لبنان ليس دولة مستقرة. لبنان ليس بلدًا طبيعيًا. لبنان بلد مأزوم سياسيًا، مأزوم دستوريًا، ومأزوم في القرار. بلد يعيش على حافة الحروب، محكوم بنظام طائفي فاشل، يفتقر إلى إرادة سياسية حقيقية لبناء دولة. لا توجد دولة مواطنة. لا توجد دولة قانون.بل توجد دولة محاصصة، ودولة زبائنية، ودولة مصالح.وفي ظل هذا الواقع، كل من يتحدث عن “نمو” و”ازدهار” من دون الحديث عن تغيير جذري في هذا النظام، إنما يضحك على الناس.اشكر لجنة المال والموازنة ورئيسها النائب ابراهيم كنعان على العمل الجدي والدؤوب لإنجاز دراسة الموازنة ولو عملنا بتوصيات اللجنة منذ عام ٢٠٠٩ ويللي ما كنا وصلنا للوضع المالي المذري اليوم.
ولو أقر قانون الكابيتال كونترول الذي قدمناه في أيار ٢٠٢٠ أنا وزملائي ابراهيم كنعان والان عون وياسين جابر لكنا تجنبنا أزمة المودعين اليوم.
هل نريد موازنة إصلاحية؟جيد.
لكن من عطّل الإصلاح؟من عطّل الكهرباء؟من عطّل القضاء؟
من عطّل الإدارة؟إنها القوى نفسها التي تتسابق اليوم على تسجيل مواقف شعبوية.
دعونا نخرج قليلًا من لبنان. فرنسا اليوم، وهي دولة مؤسسات حقيقية ومن أعرق الديمقراطيات في العالم، تعيش انقسامات سياسية عميقة. ومع ذلك، اضطرت الحكومة إلى تمرير الموازنة بالقوة استنادًا إلى مواد دستورية، من أجل إدارة شؤون البلاد ومنع الوقوع في الشلل المؤسساتي. نعم، هذه الموازنة ليست مثالية، ولا تجسّد طموحات الشعب اللبناني، لكن الدولة، مهما اختلفنا سياسيًا، يجب أن تعمل. ماذا نفعل نحن في لبنان؟نهدد بعدم إقرار الموازنة،أي نهدد بإيقاف ما تبقّى من الدولة.
دولة الرئيس،
نعم، هذه ليست موازنة دولة، بل موازنة نظام مأزوم يحاول الاستمرار على حساب الناس. بعد كل ما حصل،بعد الانهيار، بعد سرقة ودائع الناس، بعد الفقر والهجرة والمرض، تأتينا الحكومة بموازنة بلا رؤية، بلا مشروع، وبلا أي التزام حقيقي تجاه الشعب اللبناني.
والله يعين هذه الحكومة وهذا العهد، وعلى رأسهم الرئيس جوزيف عون، الذي ورث هذا الإرث الثقيل، وجاء بعد أكثر من أربعين سنة من الفشل والفساد والهدر.
هذه موازنة هدفها الوحيد زيادة الجباية لتغطية فشل مزمن. ولنكن أكثر وضوحًا: إذا لم نُقِرّ هذه الموازنة، سنذهب تلقائيًا إلى القاعدة الاثني عشرية كما في السابق،
وهذا ليس خيارًا سياسيًا، بل إعلان رسمي بسقوط الدولة ومؤسساتها. من يرفض هذه الموازنة من دون تقديم بديل،
يتحمّل مسؤولية مباشرة في تفكيك الدولة.
ومن يزايد باسم “الإصلاح”،هو نفسه من قتل الإصلاح.
هذه موازنة ضرورة، لا موازنة أحلام. موازنة لمنع الانهيار الكامل، لا لإنقاذ نظام فاسد.أما الإصلاح الحقيقي،فلا يبدأ من الأرقام،بل يبدأ من القرار السياسي:إمّا نريد دولة، وإمّا نكمل في هذه الدولة الوهمية ونواصل عدّ الانهيارات.
هناك ملفات حيوية لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة الكريمة للمواطن، والحد الأدنى من واجبات السلطة في الحماية والعدالة الاجتماعية.
أولًا: الصحة والاستشفاء.
ناس تموت لأنها لا تملك كلفة الاستشفاء، وناس تُحتجز جثامين أقربائها في المستشفيات لعدم القدرة على الدفع،

وناس تموت لأنها لا تستطيع تأمين الدواء، هذا إذا كان الدواء متوافرًا أصلًا.
أحيّي جهود الوزير وفريق عمله، لكن مهما توفرت الإرادة، إذا لم تُؤمَّن الإمكانيات، فإن المحاولة تبقى عبثية.نحن لا نطالب برفاهية،نحن نطالب بحق أساسي: الحق في الحياة.
وأي موازنة لا تقرّ تغطية صحية شاملة، واضحة وممولة،
هي موازنة ضد المواطن.
ثانيًا: الشباب اللبناني.
لم يعد ممكنًا الاستمرار في خداع أنفسنا.الشباب يهاجر لأن الدولة تخلّت عنه.لا وظائف، لا اقتصاد، لا خطة، وموازنة تكرّس السياسات نفسها التي أوصلتنا إلى الانهيار.الهجرة ليست قدرًا،الهجرة نتيجة قرار سياسي،والموازنة هي الدليل.أرقام الدراسات الصادرة عن المؤسسات الدولية والمحلية تؤكد الوقائع الكارثية التالية:
70% من شباب لبنان يفكرون بالهجرة،
50% من الشباب عاطلون عن العمل، وقسم كبير من العاملين مصنّفون ضمن العمالة الناقصة أو الهشّة،
وهي أعلى نسبة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
ثالثًا: العسكريون.
الدولة تتذكر العسكري عند الخطر،
وتنساه عند الحقوق.رواتب منهارة، مطالب محقّة، ووعود فارغة.أقولها بصراحة:الدولة التي تُذلّ عسكرييها لا سيادة لها. وأي موازنة لا تعيد كرامة العسكريين هي موازنة تلعب بالنار.
رابعًا: وزارة الشباب والرياضة، بصفتي رئيس لجنة الشباب والرياضة النيابية.
نفس المسرحية تتكرر كل سنة:خطابات عن الشباب،وفي الموازنة… صفر اهتمام.هذا استخفاف لا إهمال، وكأن المطلوب من الشباب أن يبقوا بلا أفق، أو أن يهاجروا، أو أن يضيعوا.
خامسًا، وبصفتي نائبًا عن قضاء جبيل، أسأل:
أين أصبح تطبيق قانون إنشاء محافظة كسروان – الفتوح – جبيل؟ هذا ليس حلمًا ولا مطلبًا شعبويًا،بل حق قانوني وإداري وإنمائي،وكل تأخير هو قرار سياسي مقصود.
أما سد جَنّة،
فبعد انهيار العملة الوطنية ووقف الأعمال، أطالب رسميًا وعلنيًا بالتحرك الجدي لتأمين التمويل اللازم لاستكمال إنشائه. وقف تمويله جريمة إنمائية. إنه مشروع قادر على تأمين المياه لجبيل وساحل كسروان والمتن وبيروت، وقادر على تغطية حاجة قضاء جبيل من الطاقة الكهربائية النظيفة.
دولة الرئيس،
أصل إلى جوهر الأزمة: قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع.
كفى. لا يمكننا مناقشة الموازنات وكأن شيئًا لم يحدث.
لا يمكننا الاستمرار وكأن أموال الناس تبخّرت في الهواء.
المودعون يريدون أجوبة لا تنظيرًا:من سرق؟من هدر؟من استفاد؟ وكيف ومتى ستُعاد الودائع؟
هذا يتطلّب تدقيقًا جنائيًا سريعًا، دقيقًا، ومستقلًا. المجلس النيابي صوّت بالإجماع على هذا التدقيق، وسؤالنا واضح: أين أصبحت الحكومة من تنفيذ هذا القرار؟
حضرات الزملاء،
الناس في الخارج لا تنتظر خطابات،
بل تنتظر قرارًا،
وتنتظر شجاعة.
إمّا أن نكمل شهود زور على انهيار بلد،
وإمّا أن نتوقف هنا ونقول:
هذا النظام بحاجة إلى إعادة نظر شاملة، لتطويره ومواكبة عصره وطموحات شبابه.
المطلوب أن نجلس إلى طاولة واحدة،
أن نُصارح بعضنا،
أن نتخلّى عن الأنا، وعن المذهب، وعن الطائفة، وعن الحسابات الحزبية،
وأن نبحث بجدية كيف نبني بلدًا بأفكار جديدة وعصرية،
لا تُفقر الناس، ولا تدفع شبابها إلى الهجرة. والتاريخ سيسجّل من واجه ومن كذّب ومن ساير.