سينما ستار.. يا ستَّار! (جميل نعمة)


قبل أن تتحوّل سينما “ستار” في منطقة عين الرمانة، إلى ملجأ آمن لسكان الحيّ والمناطق القريبة، وحصن منيع خلال الحرب الأهلية ضد الأعيرة النارية، والرشقات المدفعية، والقذائف الصاروخية.. كانت تعرض أفلاماً من الدرجة العاشرة.. عربية وهندية وأجنبية..
بعد اندلاع الحرب المشؤومة بفترة قليلة، تسلمها أحد القاطنين قربها ويدعى سيمون المعروف بـ “أبي السيم”، وهو للمصادفة من قرية درب السيم.. فأخذ يعرض الأفلام الإباحية بشكل متواصل بمعدَّل ثلاثة أفلام “دفعة واحدة” يومياً، بأسعار مناسبة للملهلبين والضالين و”المقطوعين” من شجرة النشوة!
وهكذا دأب شباب الحيّ والأحياء المجاورة على الحضور من الثالثة بعد الظهر حتى السادسة مساء.. لمشاهدة آخر الأفلام التثقيفية، وأهم الإبداعات العالمية!!
وكان من عادة أبي السيم أن يضع البكرة التي تضم الأفلام الثلاثة، وينتظر دقائق حتى يتأكد من أن الفيلم انطلق بسلاسة، وأن الممثلات بدأن بمداعبة الأماكن الحسّاسة.. قبل أن يغادر غرفة العرض بخفّي حنين.. مطمئناً إلى أن التحفيز الجنسي بلغ تسعة وتسعين.. وارتفع ضغط الدم في الشرايين.. وزادت مستويات الأدرينالين.. وصعد البخار الى رأس المشاهدين.. وانتشرت هرمونات السعادة: السيروتونين، الدوبامين، الإندورفين، والأوكسيتوسين.. وصولاً إلى تغلغل النشوة في عروق المنتشين.. فيغط في نوم عميق.. مطمئناً الى أنه مهما حصل من معارك ومهما سقط من قذائف لا يمكن أن يستفيق!
في أحد الأيام، إنهمرت القذائف فجأة على عين الرمانة في فترة ما بعد الظهر، فما كان من الأهالي والسكان القاطنين في الأحياء المجاورة للسينما إلا أن هرولوا إليها مسرعين.. وهم على يقين بأن صالتها حصن حصين.. لكن ما لم يكن في حسبان الشبان المتمترسين في الصالة، أن يقتحمها الهاربون من القذائف الجنونية لكي يختبئوا من جحيم القصف اللعين.. فيما كان شخير أبي السيم يملأ ركنه الأمين..
وهنا وقعت الواقعة، فما إن ولجت النسوة مصطحبات أولادهن إلى الصالة “الملتهبة” حتى فوجئن بـ “المناظر الخلابة” التي كانت تعرض على وقع التنهدات الغرامية، والتأوهات التحفيزية، والاحتكاكات الجسدية والوضعيات الانزلاقية، والمحفزات اللولبية، والرغبات الشهوانية الصادرة من الممثلين والممثلات.. على طريقة “خود وهات”..
هنا أخذت الأمهات يولولن على وقع الشهقات.. ويلعنَّ كل ما هو ماضٍ وما هو آت.. وقمن فوراً بإغلاق أعين الأولاد درءاً لهذه المشاهد الفاضحة، وهنّ يكِلن الشتائم على هذه التصرفات الرعناء.. ويوجهن اللعنات إلى أصحاب السينما وإلى كل من ارتكب هذه الفحشاء.. حيث اختلطت الآهات وأنين الداعرات.. بولولة الأمهات وعويل النساء المفجوعات..
في خضم تلك الصورة القاتمة.. إنبطح الشباب تحت المقاعد خوفاً من ردود الفعل الغاضبة.. وأخذوا يستغيثون بأعلى أصواتهم حتى بُحَّت حناجرهم من الصرخات المدوّية.. محاولين إيقاظ أبي السيم لإنقاذهم من هذا الورطة المستعصية..
حين استفاق أبو السيم من نومته الطويلة.. هبّ مسرعاً وما إلى ولج غرفة العرض، حتى “نشره” رواد السينما “بالطول وبالعرض”.. فأوقف الفيلم، فيما كان الشباب الصامد محشوراً تحت المقاعد..
بعد تلك الواقعة المشؤومة، قرر الامتناع عن عرض الأفلام الملغومة.. لكن نزولاً عند رغبة المتيمين وإصرار الملهوفين.. إرتأى أن يعرض فيلماً إباحياً واحداً، مرة في الأسبوع، شرط أن تكون الجبهة هادئة.. طبعاً مع تسعيرة مضاعفة.. وإعلان بقوة العاصفة:
فيلم الموسم “ملوّعة الرجال ولهلوبة الأجيال”..
لا تدعوا الفرصة تفوتكم ولو حتى في الخيال!

(الصورة تصميم وتنفيذ عبدو شربل)