يعيش لبنان على وقع التطورات الإقليمية، ويحبس كثيرون أنفاسهم وهم يراقبون التطورات في إيران نظراً لانعكاساتها الأكيدة على الوضع اللبناني وخصوصاً على “حزب الله” في حال تعرّض طهران لضربة أمريكية وأدت إلى إضعاف النظام أو إسقاطه. ويبدو “حزب الله” بعد سقوط حليفه بشار الأسد وخسارة الكثير من أوراق قوته بعد الحرب الاسرائيلية عليه مازال يعتمد مقاربة الإنكار ذاتها، وكأن لا شيء تغيّر لا في لبنان ولا في المنطقة. لكن اللافت أن “حزب الله” الذي يعتمد نظرية “الصبر الاستراتيجي” تجاه اسرائيل وعدم الرد على اعتداءاتها وغاراتها المتمادية والتي تتسع يوماً بعد يوم لتظال شمال نهر الليطاني وصولاً إلى البقاع الغربي وبعلبك والهرمل، يحاول كما فعل بعد حرب تموز/يوليو 2006 تعويض خسارته في الداخل اللبناني.
وآخر ما خرج بها “الحزب” هو تهديده بالفوضى وبالحرب الاهلية رداً على تصريحات رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام وتمسكهما بحصرية السلاح والانتقال إلى المرحلة الثانية شمال نهر الليطاني.
هذا الموقف الذي صدر عن نائب رئيس المجلس السياسي محمود قماطي معطوفاً على مواقف لأمين عام “الحزب” الشيخ نعيم قاسم توعّد فيها بخوض “معركة كربلائية” لمواجهة قرار الحكومة في حال المضي بحصرية السلاح، يعبّر عن الحالة التي وصل إليها “حزب الله”، وأنه ليس في وارد تسليم السلاح شمال الليطاني حتى لو ربطه بإنسحاب اسرائيل من النقاط المحتلة وتنفيذ التزاماتها في اتفاق وقف الاعمال العدائية.
فالخيارات تضيق تماماً امام “الحزب” وهو فوجىء بمقابلة رئيس الجمهورية جوزف عون في الذكرى السنوية الاولى لانتخابه وما حملته من مواقف تحدث فيها عن “التعقّل” وعن “جماعات مسلحة” و”طرف آخر” بدل استخدام تعبير “المقاومة”، كما أعلن “إنتهاء مهمة السلاح وإنتقاء دوره الرادع” وغيّب موضوع “إستراتيجية الأمن الوطني”، مشدداً على “أن قرار حصرية السلاح داخلي لبناني” خلافاً لما يعلنه “حزب الله” عن أن القرار أمريكي اسرائيلي.
غداة هذا الكلام الرئاسي، صبّ مناصرو “الحزب” جام غضبهم على الرئيس عون، بعدما كانت قيادة “حزب الله” تحيّد رئيس الجمهورية وتصوّب السٍهام تحديداً نحو رئيس الحكومة نواف سلام ونحو وزير الخارجية يوسف رجي الذي تتهمه بإ،تهاج سياسة خارجية خاصة خلافاً لتوجهات الحكومة.
وعلى مدى فترة زمنية من الوقت، كان “حزب الله” يتحدث عن تفاهم ضمني بينه وبين رئيس الجمهورية وعن تفهم الرئيس مسألة سلاحه وضرورة بقاء الوضع على ما هو عليه، للايحاء بوجود خلافات على مستوى السلطة السياسية وعدم توافق كلي على موضوع السلاح والتمييز بين السلاح جنوب الليطاني وشماله.
غير أن كلام الرئيس عون الأخير أزال كل التباس وعبّر بوضوع كلي عن أن “حزب الله” لم يعد لديه غطاء في الداخل اللبناني سوى رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي لديه مقاربته الخاصة ك “أخ أكبر” ل “الأخ الأصغر” الذي لا يريد الأخذ بالنصائح، فيرفض الاعتراف بأن الزمن تغيّر وبأن المكابرة لم تعد تفيد. كما لم يعد لدى “الحزب” غطاء ودعم خارجي في ظل ما تعانيه ايران من ضغط اقتصادي ومالي وحتى عسكري ظهر بعد حرب ال 12 يوماً في شهر حزيران/يونيو الفائت. فيما النظام الايراني يواجه حالياً خطر السقوط أو التخلي عن أذرعه ومشروعه النووي وصواريخه البالستية في ظل ثورة داخلية غير مسبوقة.
من هنا، يقف “حزب الله” في مواجهة الداخل والخارج، لكنه حوّل سلاحه من ردع اسرائيل عن اعتداءاتها إلى ردع الحكومة اللبنانية والقوى السياسية الداخلية عن المس بسلاحه شمال الليطاني، ما يبرّر لتل أبيب مواصلة غاراتها واستهدافاتها لعناصر “الحزب” وبناه التحتية أينما كان. وعندما خرج وزير الخارجية يوسف رجي ليقول إن “إعلان وقف إطلاق النار الذي وافقت عليه الحكومة يفيد بحصر سلاح حزب الله مقابل وقف الاعتداءات الإسرائيلية، وطالما لم يُحصر السلاح نهائياً فيحق لإسرائيل للأسف استكمال اعتداءاتها”، تعرّض لحملة تخوين ودعوات لمساءلته وطرح الثقة به في مجلس النواب من قبل “الحزب” على اعتبار أنه يبرّر العدوان الإسرائيلي.
وفي اعتقاد “القوات اللبنانية” التي ينتمي إليها الوزير رجي “أن فريق الممانعة لا يستطيع، ولا يريد، المواجهة المباشرة مع رئيس الجمهورية، فيلجأ إلى استهداف وزير الخارجية على طريقة “عم نحكي الكنة حتى تسمع الجارة”، وترى “القوات” ذلك أن ما قاله وزير الخارجية لا يختلف لا في الجوهر ولا في السقف، عن كلام رئيس الجمهورية نفسه.
وتظهر هذه الخلافات العميقة أن المسألة أبعد من مسألة سلاح بل هي معركة على هوية لبنان ودوره وعلّة وجوده، ومعركة على من يملك القرار اللبناني، وهل سيخرج لبنان من حلقة الوصاية السورية ثم الايرانية التي فُرضت عليه منذ التسعينات لغاية اليوم ويعود إلى الحضن العربي وللعب دوره على المستوى الدولي.
16\1\2026



