القطب الشمالي… ساحة الحرب القادمة؟ (ماريا واكيم)

ماريا واكيم
القطب الشمالي… ساحة الحرب القادمة؟

لم يكن القطب الشمالي، لعقود طويلة، أكثر من مساحة متجمدة بعيدة عن مركز الاهتمام الدولي، منطقة هامشية على خرائط الجغرافيا السياسية لا تدخل في الحسابات الإستراتيجية للقوى الكبرى. إلا أن التحولات المناخية المتسارعة، وما رافقها من ذوبان غير مسبوق للجليد، أعادت وضع هذه المنطقة في قلب المعادلات الدولية، كاشفة عن ثروات طبيعية كانت محجوبة تحت طبقات الجليد.

وتشير تقديرات هيئة المسح الجيولوجي الأميركية إلى أن القطب الشمالي يحتوي على نحو 13% من احتياطي النفط غير المكتشف عالميًا، وما يقارب 30% من احتياطي الغاز الطبيعي غير المكتشف، مع تركّز القسم الأكبر من هذه الموارد في الجرف القاري الروسي شمال سيبيريا، إضافة إلى شمال ألاسكا وبحري بارنتس وكارا.

وفي ظل تشكّل نظام دولي متعدد الأقطاب، تحوّل القطب الشمالي إلى ساحة تنافس إستراتيجي مفتوح بين القوى الكبرى. ولم يعد السؤال المطروح يدور حول ما إذا كانت المنطقة ستشهد تنافسًا، بل حول ما إذا كان هذا التنافس مرشحًا للتطور إلى صراع عسكري مباشر في العقود المقبلة.

فذوبان الجليد لا يغيّر الملامح الطبيعية فحسب، بل يفتح الباب أمام إشكاليات قانونية وسياسية واقتصادية معقّدة. ويبرز في هذا السياق ملف إعادة ترسيم الجرف القاري للدول المطلة على القطب الشمالي، وما يرافقه من مطالبات بمناطق اقتصادية خالصة جديدة، في ظل فراغات قانونية لا تعالجها اتفاقية قانون البحار بشكل حاسم.

وتتضاعف أهمية القطب الشمالي في لحظة يشهد فيها العالم اضطرابات متزايدة في مناطق الإنتاج التقليدية للطاقة، من الشرق الأوسط إلى أفريقيا وآسيا. فإلى جانب النفط والغاز، تضم المنطقة معادن نادرة تدخل في الصناعات العسكرية والتكنولوجية المتقدمة، فضلًا عن ثروات سمكية ضخمة تشكل عنصرًا مهمًا في معادلات الأمن الغذائي العالمي.

القطب الشمالي في الرؤية الروسية: تعويض إستراتيجي

لا يمكن فهم مسار عسكرة القطب الشمالي من دون التوقف عند الرؤية الروسية. فبالنسبة لموسكو، يشكّل القطب الشمالي ركيزة أساسية لاقتصادها، إذ يرتبط أكثر من 20% من ناتجها المحلي بقطاع الطاقة في هذه المنطقة. كما تنظر إليه باعتباره شريانًا اقتصاديًا بديلًا في مواجهة العقوبات الغربية، ووسيلة لتعويض التراجع الجيوسياسي الذي مُنيت به في أوروبا الشرقية.

ويعود التفوق الروسي النسبي في القطب الشمالي إلى امتلاكها أسطولًا متقدمًا من كاسحات الجليد، لا يقتصر دورها على فتح الممرات البحرية، بل تمثل أداة سيادية واقتصادية وعسكرية في آن واحد.

وتبقى روسيا الدولة الوحيدة التي تمتلك أسطولًا نوويًا من كاسحات الجليد، ما يمنحها أفضلية تشغيلية حاسمة في واحدة من أكثر مناطق العالم قسوة وتعقيدًا.

التحول الأميركي والحضور الصيني

في المقابل، تأخرت الولايات المتحدة نسبيًا في إدراك الأهمية الإستراتيجية للقطب الشمالي. غير أن الحرب الروسية – الأوكرانية، وتعاظم الشراكة الروسية – الصينية، إلى جانب انضمام دول شمال أوروبا إلى حلف الناتو، دفعت واشنطن إلى إعادة صياغة عقيدتها القطبية. وباتت المنطقة تُدرج ضمن إستراتيجية الاحتواء الشامل لروسيا، الممتدة من بحر البلطيق إلى البحر الأسود وصولًا إلى المحيط الهادي.

وفي هذا السياق، يمكن فهم سعي الرئيس الاميركي دونالد ترامب لضم غرينلاند، لانها تطل مباشرة على القطب الشمالي، وتحمل قيمة اقتصادية وإستراتيجية متزايدة.

أما الصين، ورغم بعدها الجغرافي، فتسعى إلى ترسيخ حضورها عبر الاستثمار طويل الأمد والبحث العلمي، مستخدمة أدوات النفوذ الناعم لفرض موطئ قدم لها في المنطقة.

وتهدف بكين من ذلك إلى إعادة رسم مسارات التجارة العالمية، وتقليل الاعتماد على الممرات الخاضعة للهيمنة البحرية الأميركية.

نحو نمط جديد من الصراع

من خلال هذه المعطيات، يبدو أن عسكرة القطب الشمالي باتت تتبلور تدريجيًا. ويكمن الخطر الحقيقي في أن حادثًا محدودًا، أو اعتراضًا جويًا، أو خلافًا حول ترسيم الحدود، قد يتحول إلى تصعيد غير محسوب، خاصة في ظل منطق الواقعية السياسية الذي يحكم سلوك الدول الكبرى.

فالقطب الشمالي مرشح لأن يصبح مختبرًا لنمط جديد من الصراعات ليست تقليدية عسكرية بل بالخرائط، والاستثمارات، والقانون الدولي. إنه صراع على من يملك حق صياغة القواعد، لا مجرد الالتزام بها.

ختامًا، لا يمثّل القطب الشمالي مجرد ساحة حرب محتملة، بل مؤشرًا على طبيعة النظام الدولي القادم: نظام هش، متعدد الأقطاب، تتقاطع فيه اعتبارات المناخ مع الأمن والطاقة والتكنولوجيا.

وإذا فشل المجتمع الدولي في تحييد هذه المنطقة، فقد لا تندلع أول حرب كبرى في الشرق الأوسط أو بحر الصين الجنوبي، بل في المحيط المتجمد الشمالي.