بالنسبة لكثيرين، بل لمعظم الناس اليوم، لا يعني اسم يولاند جان لبكي شيئاً. فالزمن قاسٍ مع الأصوات الإذاعية. يمحوها أسرع مما يفعل مع الصور. لكن بالنسبة لمن عاشوا زمن الإذاعة والتلفزيون في لبنان، ولمن تشكّلت ذاكرتهم على نبراتها، يبقى هذا الاسم حاضراً … لا يُنسى.
يولاند لبكي كانت الصوت. من أجمل الأصوات على الأثير. حضوراً دافئاً، راقياً، ومطمئناً، سواء عبر الميكروفون أو على الشاشة.
كنت لا أزال على مقاعد المدرسة حين كانت تقدّم برامجها عبر إذاعة لبنان، الإذاعة الرسمية التي بقيت وفية لها لسنوات طويلة، كما عبر أثير MAGIC 102، الإذاعة نفسها التي التحقتُ بها لاحقاً في سن السابعة عشرة. يومها كانت نجمة حقيقية، لا صاخبة ولا استعراضية، بل نجمة بالمعنى النبيل للكلمة. صوتها وحده كان كافياً ليجعلنا نحب الإذاعة، ونقع في سحر الكلمة. الاستماع إليها هو ما أشعل داخلي شغف التواصل، ذلك الشغف الذي أصبح عالمي لاحقاً.
كان صوتها علامة فارقة. مرجعاً لجمال الإعلان الإذاعي، لتلك الإعلانات التي كانت تسجّلها برقيّ جعلها جزءاً من ذاكرتنا الجماعية. أذكرها أيضاً في التسعينيات، تقدّم على شاشة تلفزيون لبنان برنامجاً بالتعاون مع السفارة الفرنسية، استضافت فيه دبلوماسيين وشخصيات ثقافية، بذكاء وأناقة ودفء. دائماً رقي.
بعيداً عن المسيرة المهنية، عُرفت يولاند بإنسانيتها، بابتسامتها التي لم تفارقها، حتى في سنواتها الأخيرة.
لم ألتقِ بها مؤخراً. كنت أعلم أنها مريضة، على كرسي متحرّك. منذ شهرين، أرسلت لي صديقة مشتركة مقطع فيديو قصير لها، كانت تتحدث إليّ، وتبعث لي بمحبتها. كانت هشّة الجسد، لكن نورها كان لا يزال حاضراً. واليوم، علمت أنّها غادرتنا. بهدوء. مع بداية هذا العام. كأنّ نجمة انطفأت بلا ضجيج، لكنّها تركت ضوءها معلّقاً في الذاكرة.
رحيلها ليس فقط رحيل امرأة. إنّه رحيل زمن. رحيل صوت شكّلنا. وحضور ألهم أجيالاً.
شكراً لك يولاند لأنك لمستِ قلبي وأنا مراهق. شكراً لأنّك، من دون أن تدري، رسمتِ جزءاً من طريقي. وشكراً لأنّني تشرّفت لاحقاً بأن أكون واحداً من زملائك.
في ذاكرتي، ستبقين دائماً كما كنتِ: سيدة الإذاعة والتلفزيون، صوتاً لا يمحوه الزمن.
وداعاً 💫💫💫



