
سعيد غريّب
بلد يبقى فيه رجال الازمات هم ابطال الحلول، ورجال الماضي هم أمل المستقبل، ليس بلدا يمكن أن يدّعي أنّ نظامه ديموقراطي، وأنّ شعبه يختار وينتخب. على مدى عقود كاملة، باتت الديموقراطية في لبنان عنوانا مزيّفا لأنّها بقيت، طوال هذه الفترة، فاقدة أهمّ مقوّماتها في غياب عنصر المحاسبة في حدّها الأدنى، ولم تشكّل في يوم من الأيّام صمام أمان لشعب لم يتعلّم شيئا من تجاربه المرّة والقاسية ، على مدى سنين طويلة.
ان شعبا وقع تحت حكم بضعة أشخاص، لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة وتأتمر السلطتان التنفيذية والتشريعية بهم في كل شاردة وواردة، لا يمكن أن يتباهى بأنه يعيش تجربة ديموقراطية فذّة يحتكم اليها في الشدائد. واذا سلّمنا بأنّ المؤامرات والتدخلات الخارجية كانت السبب الرئيسي في استهداف أوصال لبنان وتدميرها، بدءا من العام 1975، والمنطق بدوره يسلّم بان التجربة الديموقراطية السليمة لو مورست قبل الوقوع في فخ المؤامراتلحالت دون وقوعها ولا سمحت بعبورها.
ويبقى سؤال: اذا كان التطور والتغيير من سنّة الحياة، فهل قدرنا أن نمرّ في مثل هذا النفق، كلّما سلكنا طريق التغيير، أو أن ندفع مثل ذلك الثمن مجدّدا ، اذا كنّا نتطلّع الى الخروج من الجمهوريّة الثانية الى جمهورية ثالثة؟
لقد أدمن اللبنانيون، منذ ما قبل انفجار الأزمة الكبرى في العام 1975، على الاختلاف في ما بينهم ، فكادوا كلّما طرحت قضية أمامهم يختلفون حولها. وما كان حظ اتفاق الطائف بأفضل، حتى ليمكن القول ان اللبنانيين اختلفوا حتى على الاتفاق. الكلّ يقرّ ويعترف. وفي الوقت عينه لا قدرة لأحد على التغيير. معظم الناس يقرّ ويعترف بأنّ ساسة لبنان، بل بعضهم ، يجرّون اللبنانيين بخلافاتهم الى الانتحار الوطني، ويعيشون ويبنون أمجادهم المزيّفة على الخلافات، وهم يختلفون على المنطلق كما يختلفون على الغاية،ويختلفون على السبل والوسائل لبلوغ الغاية، وفي الوقت ذاته يسير الناس وراء هؤلاء الساسة، اما بداعي الخوف واما بداعي الحاجة. وهؤلاء الساسة يشرذمون المجتمع ويفتتّونه ويبعثرون صفوفه في مواجهة المصير الوطني، عند أي مفصل تاريخي من حياة هذا الشعب وهذا الوطن.
ان المطلوب اليوم بداية الشروع فورا في ورشة اصلاح يقودها اصلاحيون وأنقياء واصحاب ضمير، يختارهم اصلاحيون وأنقياء وأصحاب ضمير. المرتكبون والسارقون والمجرمون معروفون، ولا بدّمن اجراء فوري يشكّل صدمة تليها صدمات. فمجرّد التفتيش لا يحلّ المشكلة ولا يقضي على الفساد، بل ممكن أن يحقق نتائج عكسية، ومن الشواهد التاريخية ما شهده عهد الرئيس شارل حلو،في اواسط الستينات، من حملة تطهير طالت بعض موظفي القطاع العام ، فظلم كثيرون ممّن لا ظهر لهم ،وكانت النتيجة أن استشرى الفساد بشكل تصاعدي حتى بلغ ذروته ولا سيما بعد انتهاء الحرب عام 1990. اليوم نرى هجمة شرسة ومفترسة على المواقع الشاغرة في الدولة، فحذار من تكرار التجارب الماضية التي تضرب بالكفاءة والنزاهة عرض الحائط. فهل الخلاص في اعتماد الآلية التي قررّها مجلس الوزراء؟ تكون الخلاص نعم، شريطة اعتمادها وتنفيذها بعيدا من التدخلات والمحسوبيات والزبائنية، وعمّا جرى من قبل حين دفنت الآلية وبقيت الآلات.