أمين القصيفي
تأتي زيارة الموفد الرئاسي الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت في وقت حساس، خصوصاً مع التطورات الأخيرة في الجنوب وتصاعد حدة التوتر وكل ما يلف مسألة تنفيذ القرار 1701 واتفاق وقف إطلاق النار، بالإضافة إلى ما شهدته الحدود اللبنانية السورية الشرقية الشمالية من سخونة والخوف من تجدد المناوشات التي حصلت قبل مدة، علماً أن المسألة باتت في عهدة المسؤولين في لبنان وسوريا وبدأ البحث عن سبل إرساء الاستقرار على الحدود بين الجانبين، على الرغم من أن الجانب السوري طلب تأجيل اللقاء الذي كان مقرراً بالأمس مع وزير الدفاع اللواء ميشال منسّى والوفد المرافق إلى دمشق لبحث هذه القضية إلى موعد لاحق.
زيارة لودريان إلى بيروت ذات دلالات سياسية ودبلوماسية مهمة، إذ لا شك، وفق مصادر سياسية مطلعة، “هو يحمل في جعبته مجموعة من الملفات الإضافية التي تتعلق بالمطالب التي ترتبط بمستقبل لبنان السياسي والاقتصادي. وتأتي الزيارة في وقت حرج يشهد فيه لبنان أزمات متعددة، من الأزمة الاقتصادية والتحديات الأمنية، بالإضافة إلى ملف إعادة الإعمار بعد الحرب الأخيرة والمساعدات وشروطها”.
المصادر ذاتها تشير عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إلى أن “لودريان بحث مع رئيس الجمهورية جوزيف عون في جدول الزيارة المرتقبة لعون إلى فرنسا، غداً الجمعة، وجدول الأعمال والعناصر المطلوبة لتكون زيارة ناجحة تسهم في تعزيز التعاون الثنائي بين البلدين”، لافتة إلى أن “الآمال كبيرة بأن تشكل زيارة عون الفرنسية نقطة تحوّل بالنسبة للبنان، خصوصاً بعد الأصداء الإيجابية التي تركتها في الأوساط اللبنانية منذ الإعلان عنها، وهي من دون شك ستشكل إطلالة دولية مهمة للرئيس عون. مع العلم، أن فرنسا لطالما عبَّرت عن دعمها لاستقرار لبنان، وهذا ما أكد عليه لودريان مجدداً، في ظل التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي يواجهها”.
المصادر تلفت، إلى أن “مباحثات لودريان مع المسؤولين اللبنانيين تطرقت إلى المؤتمر الدولي الذي تعتزم فرنسا عقده من أجل حشد الدعم والمساعدات للبنان، والذي سيكون مدار بحث خلال اللقاء الذي سيجمع الرئيسين اللبناني والفرنسي جوزيف عون وإيمانويل ماكرون في باريس، علماً أنه بات من المعروف أن الدعم الدولي دونه شروط مطلوبة من لبنان”.
في السياق ذاته، تشير مصادر دبلوماسية عبر موقع القوات اللبنانية الإلكتروني، إلى أن “زيارة لودريان إلى بيروت ليست منفصلة عن الجهود الدبلوماسية تجاه لبنان، بل إن التنسيق قائم مع مختلف الجهات الدولية المتابعة للشأن اللبناني. ولا ننسى أن فرنسا عضو بارز في لجنة المراقبة الدولية لمتابعة ومراقبة تنفيذ القرار 1701 واتفاق وقف إطلاق النار برئاسة الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز، والكل بات على معرفة بأنه من الصعب أن يتقدّم ملف المساعدات لإعادة الإعمار من دون التقدّم في تنفيذ الاتفاق، بالإضافة إلى إقرار وتطبيق الإصلاحات الجذرية الضرورية في مختلف القطاعات، في القضاء والكهرباء والقطاع المصرفي وتعزيز الشفافية في الإدارة العامة ومكافحة الفساد وغيرها، والتي تُعد شروطاً أساسية لأي دعم دولي وعربي يمكن أن يعوّل عليه لبنان”.
في ملف إعادة الإعمار والمساعدات الدولية أيضاً ومدى فرص نجاح فرنسا في حشد الدعم الدولي والعربي للبنان؟، تلفت المصادر نفسها إلى أن “ملف إعادة الإعمار سيكون بنداً أساسياً على طاولة ماكرون ـ عون في باريس، في إطار مؤتمر الدعم الدولي الذي تعتزم فرنسا عقده لجمع المساعدات لإعادة الإعمار. لكن، لا شك أن نجاح هذا المؤتمر يعتمد على عوامل عدة ضرورية لتسويقه وحصوله على الدعم الدولي والعربي المطلوبين، أبرزها والتي يجب أن تبدأ بتأكيد وتعزيز سيادة الدولة اللبنانية على أراضيها واستكمال تطبيق القرار 1701 بكامل مندرجاته والانتهاء من مسألة السلاح غير الشرعي وحصر السلاح بيد الدولة وحدها”.
أضف إلى ذلك، تضيف المصادر: “الالتزام الكامل بالإصلاحات الضرورية التي يجب أن نبدأ برؤيتها تتحقق عملياً وفعلياً في الواقع لا أن تبقى في إطار الإعلان والنوايا، ولبنان اليوم يملك كل الفرص مع انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة مكتملة المواصفات، وأي تردد أو عدم جدية في هذا السياق قد يصعّب فرص نجاح مؤتمر الدعم الفرنسي وجذب المساعدات الدولية والعربية للبنان”.
المصادر الدبلوماسية تجانب الحذر في إعطاء أي انطباع عن احتمال أن يكون لودريان قد حمل معه إلى بيروت تطمينات معينة أو تفاؤلاً معيناً بنجاح الجهود الفرنسية لحشد الدعم للبنان، رافضةً الإجابة بشكل صريح عمّا إذا كان هناك ضوء أخضر أميركي ومساهمة عربية، لكن المصادر ترى أنه “من غير المتوقع أن يتم تقديم الدعم الكامل للبنان من دون تلبية الشروط الموضوعية المطلوبة منه، أكان الحديث عن الدعم الأميركي أو العربي أو غيرهما، خصوصاً لملف إعادة الإعمار، فذلك يتوقف على الالتزام من الجانب اللبناني والدولة اللبنانية، خصوصًا فيما يتعلق بمسألة سيادة الدولة واحتكار السلاح ونزعه من الجماعات المسلحة، وأبرزها كما هو معروف “الحزب”، الذي ما زال يشكل تحديًا رئيسيًا لأي جهود لإرساء سيادة حقيقية في لبنان”.
من هنا، تشدد المصادر نفسها على أن “زيارة لودريان إلى بيروت تأتي في وقت حرج بالنسبة للبنان، مع وجود ملفات حساسة تتطلب حلولاً عاجلة، وفرنسا تأمل أن يكون هناك التزام حقيقي من لبنان بتنفيذ المطلوب منه، وفي مقدمته بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها ونزع السلاح، وإقرار الإصلاحات الاقتصادية والمالية، ما يفتح الباب للحصول على دعم المجتمع الدولي والدول العربية التي أعربت مراراً عن استعدادها للوقوف إلى جانب لبنان”، لافتةً إلى أن “كثيرين يعوّلون على الدعم الفرنسي، غير أن نجاح الجهود الفرنسية لا يمكن أن يتحقق من دون الشروط المطلوبة، وبدعم صريح أميركي وعربي من دون شك”.