الفدرلة” فانتازيا” نظرية والمؤتمر الوطني أولوية

جوزف القصيفي
في كل مرة يتعرض فيها لبنان لحرب، أو يكون مسرحا لاحداث جسام، يقوم فريق من المسيحيين ومعظمهم من غير الحزبيين بطرح خيارات خطيرة تتعارض مع خيارات وتوجهات ،لا الشريك في الوطن فحسب، بل الكنيسة الكاثوليكية والارثوذكسية، وتحديدا الطائفة المارونية كونها الطائفة التي حملت راية دولة لبنان الكبير وكانت في مقدم مؤسسيها بقيادة البطريرك مار الياس الحويك الذي قادها في أحلك مراحل تاريخ هذا الوطن الذي تتقاذفه التجاذبات الدولية والاقليمية، وتعبث يد الخارج بتناقضاته جاعلة من نعمة التعددية والتنوع ودورهما في صوغ فلسفة التآخي الانساني نقمة. إن بكركي لم تتخل عن رسالة الحويك في لبنان الواحد الموحد، ومركزية الدولة، لا الإدارة،فيه. وهذا ما عبر عنه البطاركة الذين تعاقبوا على سدتها من : مار انطون عريضه الذي كان أحد أركان الاستقلال والداعمين لدولته، إلى مار بولس المعوشي الذي وقف ضد الاحلاف شرقا وغربا، فمار انطونيوس خريش الذي واجه موجة عاتية وضغطا هائلا لارغامه على توقيع بيان يدعو فيه إلى قيام الدولة المسيحية، فخلفه مار نصرالله صفير الذي نسج على منواله مصرا على أن مقاومته للاوضاع القائمة طوال فترة حبريته تنطلق من مبدأ وطني لا جدال فيه: لبنان واحد لا يتجزأ ولا ينقسم. ولم تخرج مواقف مار بشاره الراعي يوما عن الثوابت، وأن دعوته للحياد الايجابي الناشط لا تخرج عن مظلة الحويك الماهد والباني لمدماك الدولة الموحدة منذ انطلاقتها في العشرين من ايلول 1920. من هنا، فإن الاجتماعات التي تعقد هنا وهناك وتضم مجموعة من الناشطين السياسيين والاكاديميين، لا تعبر عن توجهات النخب المسيحية الفاعلة والمؤثرة. وأن هناك من سبق له أن طرح ” الدولة الاتحادية” وطوى هذا الطرح عندما أصبح وزيرا بعدما رأى” … أن الدرب دونه”،فقرر أن يلتحق ب” قيصر” الواقع، بدلا من أن ” يطرب” ل” قيثارة الأحلام.” قد يكون وراء ما صدر من مواقف تروج لل” فدرلة” اسباب لها علاقة بمصالح آنية تتوهم انها ستكون متاحة بعد إجتماعات عقدت في الخارج فهمت مقاصدها خطأ. هذه الاجتماعات تحدثت عن حماية الوجود المسيحي في لبنان الواحد، الموحد، لا ” الفدرالي”. لكن ذلك لا يعني أن المسيحيين لا يعيشون قلقا على مصيرهم في لبنان، كما الدول المجاورة التي تكاد تخلو منهم. عنصرية إسرائيلية وافدة من الحدود الجنوبية قامت ب” واجبها” في إقتلاع مسيحيي فلسطين من أرضهم،وخطر تكفيري بتسميات مختلطة مستنفر إلى أقصى درجات الاستنفار على الحدود مع سوريا شرقا وشمالا، بعد سقوط نظام بشار الاسد. ولكن هل يكون الحل بإقامة دويلة طائفية، أو تبني ” الفدرالية” أو إستدراج حماية خارجية،واي من هذه الخيارات صعب المنال، وغير قابل للتحقيق، وإن تحقق لفترة وفي غفلة عن الزمن، لن تتوافر له اسباب الاستمرار والحياة. على أن مسؤولية التصدي لهذا القلق وتجاوزه تقع على عاتق الدولة التي يتعين عليها رعاية حوار وطني واستكمال وثيقة الوفاق واتخاذ كل التدابير والإجراءات المؤدية إلى إرساء دولة المواطنة والقانون بعيدا من زواريب السياسة الضيقة. والرهان على رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في أن يتمكن من تبديد الهواجس التي يعمل البعض على اشاعتها وتخويف الناس لأسباب سياسية أو مصالح أخرى. وقد يكون المؤتمر الوطني الشامل هو الخطوة ألاولى في رحلة الالف ميل، لما قد ينتج عنه من عقد وطني واجتماعي يؤسس لمستقبل واعد واكثر استجابة لآمال اللبنانيين وهواجسهم. في أي حال، فإن اي تجمع أو محاولة لتسويق طرح أو صيغة لا تنطلق من مسلمة دولة لبنان الكبير الموحد،هي مجرد ” فانتازيا” فكرية ذات طابع نظري لن تبصر النور.