وهّاب «يضرب» في الشوف: توازنات درزية جديدة؟

وهّاب «يضرب» في الشوف: توازنات درزية جديدة؟
خطا الوزير السابق وئام وهّاب خطوة جديدة على طريق فرض نفسه لاعباً في الشوف عبر عرضٍ شبه عسكري وخطاب مرتفع السّقف. يقرأ وهّاب التحوّلات، ويستغل الظرف حتى الرمق الأخير لفرض نفسه، في ظل تراجع الزعامة الجنبلاطية وغياب المنافسين وقرار المواجهة الجدية. فراس الشوفي- لم تكن الرسائل ذات السقف العالي التي وجّهها الوزير السابق وئام وهّاب أمس، من بلدته الجاهلية على كتف جبل لبنان الجنوبي، وتردد صداها في المختارة فوق أعالي الجبل الأخضر، سوى تتويج لسياق من التوازنات التي دخلت على طائفة الموحّدين الدروز في لبنان، وفرضتها تحوّلات الإقليم ولبنان خلال السنوات الأخيرة. بعرضٍ شبه عسكري ورجالٍ مقنّعين، ونبشٍ لذاكرة الدروز منذ الأمير فخر الدين المعني الكبير وحتى اليوم، أمام عددٍ غير قليل من المشايخ الدروز، أعلن وهّاب عن «جيشٍ» صغير جديد يصرخ «لبيّك يا سلمان» ويحمل رايات الألوان الخمسة، يضاف إلى سلسلة جيوش الطوائف والإثنيات التي تصاغ في المنطقة. وهي ليست المحاولة الأولى لرئيس حزب التوحيد العربي لفرض واقعٍ جديد عند الدروز اللبنانيين وفي الشوف، إلّا أنها المحاولة الأجرأ في لحظة تاريخية، يعاد فيها تشكيل الساحة السياسية اللبنانية وتوازنات القوى في الإقليم. منذ نشوء الكيان اللبناني وما بعد «استقلال» 1943، حافظ ساسة الدروز على موقعهم في النظام اللبناني عبر سلسلة من التحالفات المحلية والإقليمية التي تحمل في عنوانها العريض «مشروعاً وطنياً». وما المجد الذي بناه الراحل كمال جنبلاط، سوى حصيلة تحالفه مع الناصرية، ثمّ لاحقاً مع الثورة الفلسطينية بقيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات، في مسعىً تاريخي وراء «العمق العربي» والإسلامي للعشيرة ــ الطائفة. ولم يكن أمام رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط في لحظة اغتيال والده، وفي عزّ التسوية المصرية ــ الإسرائيلية في «كامب ديفيد»، إلّا مدّ جسور الثقة مع سوريا والرئيس الراحل حافظ الأسد من جديد، واتخاذ سوريا حضناً وملجأ، في تحالف استمر أكثر من ربع قرن. ومع كثرة التقلّبات الجنبلاطية بين 1977 و1987 وخطوط التواصل مع ليبيا معمّر القذافي وعراق صدام حسين وعرفات، إلّا أن سوريا بقيت الخيار الأضمن للدروز اللبنانيين وجنبلاط تحديداً، إذ انتشلتهم من حرب الجبل بطاريات المدفعية السورية ومئات مقاتلي «فتح الانتفاضة» و«الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـــ القيادة العامة»، فانتزعوا انتصاراً واضحاً وخروجاً مشرّفاً من ثنائية الاختيار الضيق، بين المشروع السوري والمشروع الإسرائيلي في لبنان، وقتذاك. ومع انتهاء الحرب، بدأ حصاد البيدر، فحفظت سوريا لجنبلاط موقعاً متقدّماً في نظام التحاصص الطائفي الذي انتجه اتفاق الطائف، عبر تذويب ميليشيا الحزب التقدمي الاشتراكي كباقي الميليشيات في مؤسسات الدولة، وتكريس الدروز كفئة مرجّحة للكفّة في حالة أي انقسام داخلي. ومع أن الدروز، خسروا ما يسمّى بالوزارات السيادية التي حمل حقائبها كمال جنبلاط والأمير الراحل مجيد أرسلان في نظام ما قبل الطائف، إلّا أن جنبلاط عوّض «السيادية» بالوزارات/«الدجاجات» التي تبيض ذهباً وخدمات، من المهجّرين إلى الصّحة. لكنّ جنبلاط، وفي «لحظة تخلٍّ» وهو مصطلحه الشهير، دخل إلى لعبة رهانٍ فاشلة بعد الاجتياح الأميركي للعراق، توجّها قُبيل اغتيال الرئيس رفيق الحريري بالرهان على سقوط النظام السوري وخسارة الرئيس بشّار الأسد، الآتي حديثاً للحكم. ذهب جنبلاط بعيداً في الانقلاب على سوريا والمقاومة اللبنانية بعد 2005، فقاد حركة 14 آذار، ملتحقاً تماماً بالمعسكر السعودي ــــ الأميركي. وما إن بدأت الكفّة تميل في 2009 بعد صمود سوريا والمقاومة في لبنان، حتى انقلب جنبلاط، تاركاً الرئيس سعد الحريري وحيداً، إلّا من رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع. سنوات قليلة مرّت، وكرّر جنبلاط «الخطيئة». مع بداية الأزمة السورية، رمى أوراقه كاملةً في رهانٍ جديد على سقوط الأسد، ومارس دوره محرّضاً للدورز في السويداء، وللأنظمة في الأردن والسعودية وتركيا وأميركا وفرنسا، وداعماً لبعض الانقلابيين الدروز والعلويين في سوريا، ومدافعاً عن «تنظيم القاعدة في بلاد الشام ــ جبهة النصرة». خسر جنبلاط سوريا والمقاومة، ولم يربح المحور المقابل. على المقلب الآخر، لم يوفّر وهّاب فرصة، منذ اغتيال الحريري مروراً بالأزمة السورية، وانتهاءً بانتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، إلّا والتقطها، لتشييد موقعٍ «متواضع» له عند الدروز اللبنانيين، لكن ندّ مع جنبلاط، في تحالف متين مع سوريا وحزب الله، أو المعسكر المنتصر، في لحظة تلاشي أدوات النظام السعودي في سوريا والعراق ومصر، وانكفاء المملكة السعودية إلى حربٍ وجودية في اليمن. ربّما من المبكر قراءة انعكاس مشهد الجاهلية أمس في الداخل الدرزي، وكيفية استفادة الرؤوس الحامية عند الاشتراكيين من شدّ عصب مناصري الحزب والجنبلاطيين، عبر تسويق «العدوّ» الجديد من خانة ارتباط «سرايا التوحيد» التي أعلن عنها وهاب بـ«سرايا المقاومة»، لكنّ الأكيد أن وهّاب رسم مشهداً جديداً بين البحر وجبل الباروك. وبعيداً عن الموقف السياسي العام لجنبلاط في مقابل قوى «المعارضة الدرزية»، المتمثّلة في أرسلان ووهّاب والنائب السابق فيصل الداوود، وفي هامش خاص للحزب السوري القومي الاجتماعي، يبدو وهّاب أكثر المستفيدين من خسارة الرهانات الجنبلاطية، ومن التحوّل الأخير بوصول عون إلى رئاسة الجمهورية، في وقت حيكت فيه انتخابات الرئاسة من دون الدور الجنبلاطي. يدرك وهّاب جيّداً أن أرسلان مقتنعٌ إلى حدٍّ ما بالقسمة الحالية للدروز، ونصيبه من هذه القسمة مع جنبلاط في الوزن والخدمات والتأثير في الشارع والمؤسسة الدينية. وربّما تكون قناعة «المير» نابعة من غياب الدعم والمشروع لمواجهة جديّة عند سوريا وحزب الله مع الزعامة الجنبلاطية الدرزية المترنّحة. في وقت يرمي فيه القوميون بثقلهم في ساحة القتال السورية، مكتفين بالمحافظة على وجودهم التقليدي في العائلات والقرى من حاصبيا إلى المتن الأعلى، ربّما لذات أسباب أرسلان. بينما لم يوفّر وهّاب جرأته، لجرّ مشروع المواجهة خلفه، عبر إثبات حضوره ووزنه أمام حلفائه وداعميه. وحتى الآن، يتسلّح وهّاب بتحالف انتخابي محتمل مع عون في الشّوف، قد يفرضه نائباً في الانتخابات النيابية المقبلة، وهو ما لمّح إليه في خطابه أمام مريديه و«جنوده». ومع أن ما وهّاب حصد أمس إيجابية كبيرة، إلّا أن محيطين به، ينتابهم الحذر. ففي لحظات سابقة، كان وهّاب أو «المعارضة الدرزية» مجتمعةً، وسيلة أمام اللاعبين اللبنانيين الأقوياء، وسيلةً للتحالف مع جنبلاط نفسه، الذي بات يدرك بدوره انهزام الحلف الذي دعمه ضد سوريا والمقاومة، وبأن لحظة المصالحة مع سوريا قد اقتربت بفعل تبدّل موازين القوى، بما يضمن توريثاً هادئاً لتيمور جنبلاط، أو مضطّرباً، ما لم تُعبّد الطريق من كليمنصو إلى حارة حريك ودمشق.