الارثوذكس مغيّبون عن تأليف الحكومة

الارثوذكس مغيّبون عن تأليف الحكومة
رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون كرسته الكنيسة الكاثوليكيّة جمعاء وعلى رأسها الكنيسة المارونيّة بإمامة البطريرك مار بشارة بطرس الراعي يحوطه بطاركة الكنائس الكاثوليكيّة، رئيسًا لجمهوريّة مسيحيي المشرق العربيّ في لبنان ومنه أيضًا، وهو المأخوذ دومًا إلى الينابيع المشرقيّة بصفاء عقل وبهاء روح. كاف هذا المشهد لينطق بالمكنونات ويخاطب المكوّنات ويفجر المكتومات. فالرئيس يمثّل بيئته لكونه جاء منها، وكشف المشهد المترامي الأطراف ما بين قصر بعبدا مع التجمعات الشعبيّة المحتفلة بوصوله، واحتفال بكركي به، قوّة حضوره ولهب وجوده ومعنى انتخابه رئيسا للجمهوريّة اللبنانيّة في لحظة ملأى بالتغييرات الجذرية الكبرى، وحبلى بإنجازات ميدانيّة تشير اليها التطورات في سوريا، وتتجلّى بلا هوادة في المرحلة الفاصلة بين ما بين رحيل إدارة باراك أوباما ومجيء إدارة جديدة برئاسة دونالد ترامب. لبنان المسيحيّ كما هو ظاهر مع رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، يستعاد بإنتاج متوازن وحريص على مخاطبة المكوّنات جميعًا ليس بالاندراج أو بصفة المعيّة كما كان يحصل في عهود سالفة. المخاطبة تجيء من محتوى بليغ، يعبّر عن آفاق سياديّة مرتبطة بكينونة لبنان، وتشاء أنّ تتشارك بكبر وكرم مع لبنان المسلم في تكوين الهالة الميثاقيّة وتثميرها وتصليبها صمن عرى سياسيّة وإنمائيّة واجتماعية يلتقي اللبنانيون عليها من الحكومة إلى المجلس النيابيّ، ومن السياسة إلى الإدارة وإلى معظم الإدارات الرسمية في الدولة اللبنانيّة. من ضمن الهالة الميثاقيّة التكوينيّة والمتجليّة ضمن منطق المشاركة بين جميع المكونات في تأليف الحكومة، يغيب الصوت الأرثوذكسيّ الوازن تمثيليًّا، وقد رجا هؤلاء القوم في مسعاهم الكبير لخدمة لبنان أن تكون لهم كلمة ولو من باب اللياقة لتوضيح عمليّة الخيارات، من مضمونين تاريخيّ وآنيّ، في قراءة تلك الحكومة ليس فقط بالأسماء العابرة بل بالأسماء المساهمة في تحديد الوظيفة الجوهريّة والاستراتيجيّة القائمة في معنى التأليف والمنسابة بحرص وقوّة في آن لجعلها خصوصيّة وطنيّة متحرّكة بين لبنان وذاته وبين لبنان والدول القريبة والبعيدة. لقد سلّم الأرثوذكس منذ اللحظات الأولى سواء كانوا في لبنان أو في المشرق العربيّ بأنّ الموارنة على المستوى المسيحيّ صمّام أمان للمسيحيين العرب، من الدكتور شارل مالك والوزير السابق فؤاد بطرس رحمهما الله وصولاً إلى نائب رئيس المجلس النيابيّ سابقًا إيلي الفرزلي أطال الله بعمره في أدبيّاته المضيئة في لبنان والمشرق إلى النائب السابق الدكتور الياس عبيد ووزير النقل السابق مكرم عبيد في سوريا من ضمن أدبيات كانت تعانق بكركي من أيام البطريرك أنطون عريضة إلى البطريرك المعوشي، وارتضوا ذلك بكلّ سرور غير آنّين ولا معاتبين، ذلك أنهم وموارنة لبنان نسبهم مشرقيّ وهم آباء العروبة الصافية، وقد قادهم الحرص دومًا إلى المساهمة الفعالة في الوحدة المسيحيّة بالمعنى السياسيّ، ومؤسسين للوحدة الوطنيّة. لم يأنفوا لحظة واحدة من التقاط الرؤى الداعمة للبنان الواحد الموحّد، فقد ارتضوه وطنًا لهم وكان منهم رئيسان للجمهوريّة هما شارل دباس وبترو طراد، وبرزت منهم شخصيات راقية أكدت على مسار الوحدة وعملت له، من شارل مالك إلى حبيب ابو شهلا مفتتحًا الاستقلال في لبنان بنضال مستميت من بلدة بشامون، إلى غسان تويني إلى منير أبو فاضل... ولا يمكن لأحد أن يتنكّر لمساهمات منير أبو فاضل في توطيد الجسور، وبعيد وفاته جاء دفنه في قريته عين عنوب قضاء عاليه إيذانًا بافتتاح مشروع عودة المسيحيين إلى الجبل، وللملاحظة فإنّ الأرثوذكس هم من افتتحوا المصالحة الوطنية في الجبل قبل سواهم، لقد كانت مساهمة المطران جورج خضر في هذا المجال فعّالة إلى جانب وليد جنبلاط وقيادات أخرى. لقد تجلّى الأرثوذكس طوال تاريخهم في العمل على اللقاء الوطنيّ بين الجميع، شهدت على ذلك دار المطرانية في بيروت مع المثلّث الرحمات المطران إيليا الصليبي حين كان يجمع كلّ الأطراف في داره سواء في بيروت أو في سوق الغرب للتخفيف من وطأة الصراعات في مرحلة الحرب اللبنانيّة، واستكمل ذلك على مراحل مع المطران الياس عودة وما لبثت أن توقفت. وفي المرحلة الفاصلة ما بين 2009 و2016، قرأت نخبة أرثوذكسيّة واعية المرحلة المسيحيّة اللبنانيّة معطوفة على التراكمات المتوحّشة في المشرق العربيّ، فسعت للانتفاضة على استيلاد المسيحيين في كنف المذاهب والطوائف الأخرى، وسعت إلى تحرّرهم الذاتيّ بمشروع قانون قدمته إلى المجتمع المسيحيّ بخاصّة واللبنانيّ بعامّة بالأسباب الموجبة والموضوعيّة، معتبرة أنّ الطائفيّة الفوضويّة والمتلاشية والتي سببها تعامل المكوّنات الأخرى مع المسيحيين بإزدراء واستكبار وأحيانًا بالعزل يجب أن يوضع لها حد، ولن يوضع الحدّ إلاّ بترسيخ الطائفيّة المتوازنة، على قاعدة المناصفة وهي جوهر الفلسفة الميثاقيّة. وكانت الأسباب الموجبة المطروحة المنطلق الأوّل للوصول إلى ما اشتهاه المسيحيون والأرثوذكس جزء منهم. وتقول أوساط روحيّة وسياسيّة أرثوذكسيّة محبّة للعهد ورئيسه، بأن الأرثوذكسيين عندهم ملء الثقة بالعماد ميشال عون وحكمته وبعد نظره. وهو المشرقيّ الكبير الحامل على منكبيه همّ المشرق العربيّ وبخاصّة هم المسيحيين فيه، وتقول تلك الأوساط انّ ثمّة تغييبا لموقع المرجعيّة الأرثوذكسيّة الأساسيّة في لبنان، وهو البطريرك يوحنّا العاشر حيث يفترض برئيس الحكومة سعد الحريري أن يقوم بزيارته بحضور المطارنة ووزراء الطائفة ونوابها الحاليين والسابقين واللقاء الأرثوذكسيّ كحالة راسخة في المدى الأرثوذكسيّ، وهو صاحب مشروع قانون الانتخابات، لاستمزاج آرائهم كما يحصل مع بقية الطوائف في لبنان. فالموارنة اتفقوا على من يشاؤون وجاء هذا بناء على اتفاق بين رئيس الجمهورية والبطريرك المارونيّ ورئيس الحكومة، الشيعة سمّوا كما السنّة بلا اعتراض، في حين أن ثمّة من يسمّي عن الأرثوذكس من دون الوقوف على خاطرهم أو اعتبار موقعهم ودراسة موقفهم. وتعتبر تلك الأوساط أنّه لا توجد مشكلة بين الأرثوذكس والعهد ولا بين الأرثوذكس والموارنة بطبيعة الأحوال ولا بين المسيحيين والمسلمين، بل توجد مشكلة منهجيّة بعدم احترام الفلسفة الميثاقيّة القائلة بضرورة أن تسمي كا طائفة ممثليها. فالجنرال عون يمثّل المسيحيين وقد ظهر ذلك جليًّا وهذه ظاهرة تاريخية بكلّ ما للكلمة من معنى، والرئيس الحريري يمثل بيئته وتلك البيئة هي التي أوصلته وعلى اساس ذلك أثمرت التسوية. لكنّ السؤال وعلى الرغم من ثقة كبرى بالعهد، من يسمّي الوزراء الأرثوذكس في هذه الحكومة؟ من يسمّي نائب الرئيس والوزراء الآخرين؟ هل الأرثوذكس تبّع أو هم مكوّن اساسيّ لهذا الكيان؟ طالما أنّ الاتفاق بأن يسمي المسلمون بمذاهبهم الثلاثة ممثليهم، فالاتفاق ايضًا بأن يسمي المسيحيون ممثليهم، بمعنى أنه كما أنّ الأحزاب المسيحية بصبغتها المارونية سمّت فليترك للنخب الأرثوذكسيّة بان تسميّ بدورها من تراه جديرًا ليمثّل طائفته ويخدم وطنه؟ وتعقّب تلك الأوساط قائلة انّه لا توجد مشكلة مع الشخصيات المطروحة، فهي جديرة بالاحترام، وأرومتهم ضاربة الجذور في هذا المدى الكبير، ولكن ثمّة مشكلة في علاقة الطارح بالمطروح، فلن يكون الاسم المطروح ممثّلاً لطائفته بقدر ما سيكون ممثّلاً ومدينًا لمن أوصله بتجسيد سياسته هو، فهو لن يناقش بالخلفية الأرثوذكسيّة بل بالخلفية الأخرى. وترى تلك الأوساط ضرورة استمزاج آراء الأرثوذكسيين بنخبهم وشخصياتهم وحركاتهم وعلى رأسهم البطريرك يوحنا اليازجي كأب روحي لكنيسته، ثمّ عدد من السياسيين وعلى رأسهم اللقاء الأرثوكسيّ والتجمعات الأخرى. وتعيد تلك الأوساط التأكيد انّها تثق برئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، وهي متفقة على الأسس الاستراتيجية معه، وتعرف أنه حامي المسيحيين في لبنان والمشرق العربيّ، وضامن لديمومة العلاقات المسيحيّة-الإسلاميّة، وما يعلنه فخامته لن يكون موضع اعتراض، وتعرف أنّ فخامته يكنّ محبّة فائقة للمطران جورج خضر وهو صديقه الكبير، وكان أوّل من تفاعل بمحبّة وحرص كبيرين مع خطف المطرانين في حلب ووضع إمكاناته في تصرّف البطريرك يوحنا العاشر، الأرثوذكس كانوا ولا يزالون مودودين في قلبه وعقله وفكره، وهو بدوره مودودهم ومستو على عرش قلوبهم، ومتفاعل مع عقولهم، في سِفر المشرقيّة والسَّفر في أرجائها كفكر وجغرافيا ووجود، وقد كانوا العمود الفقري لمرحلة النضال للوصول نحو هذا النصر، وهم مدركون أنه الحريص على دورهم الراسخ والأكيد في بناء الدولة ومكافحة الفساد الأرثوذكس لا يلفتون نظره بل عناية رئيس الحكومة سعد الحريري إلى ضرورة التنسيق والتعاون ليكون كلّ شيء كاملاً وناضجًا، وبلياقة وترتيب. تلك الملاحظات الأرثوذكسيّة ليست سوى تعبير عن محبة الأرثوذكس للبنان، ورجاؤهم بأن يعلو ويظلّ شامخًا إلى الأبد.