غازي عاد بكرسيّه المتحرك هزّ الضمائر.. واستسلم لغيبوبته

غازي عاد بكرسيّه المتحرك هزّ الضمائر.. واستسلم لغيبوبته

مي عبود ابي عقل

 

منذ ايام يقبع رئيس لجنة المعتقلين والمخفيين قسراً (سوليد) غازي عاد في غيبوبة في مستشفى رزق، وقلوب الأمهات تصلي وتتضرع ليشفي الله غازي، ويعيده اليهن ليكملن معاً رحلة الأمل والعذاب على طريق البحث عن الأحباب الذين فقدوهم في غفلة من الزمن.

منذ العام 1995 ترافقنا معا في قضية انسانية كانت تعني له كل وجوده: هو في نضاله وصوته الصارخ في برية الظلم والظلام، وأنا بقلمي وحبر "النهار" نوصل الصوت الى من يجب ان يسمع، حين لم يجرؤ احد على مجرّد التحدث في الموضوع.
من على كرسيّه المتحرك حرّك غازي ملف المعتقلين في السجون السورية في عز الوصاية السورية في لبنان، وبفضله وصلت قضية المعتقلين والمخفيين قسراً الى المحافل الدولية في الولايات المتحدة واوروبا وإلى اعلى المستويات في الامم المتحدة في نيويورك وجنيف. بثبات وصبر وايمان، حمل غازي هذه القضية على مدى ربع قرن من دون تعب أو منّة أو مقابل. وقف الى جانب الاهالي يشد أزرهم ويشجعهم ويدعمهم، ومعاً هزّوا الضمائر النائمة، وهدفهم واحد: كشف مصير المخفيين قسراً والمعتقلين اعتباطاً.

التحوّل الكبير
ولد غازي عاد عام 1957 في ميناء الحصن - بيروت، وله شقيقان احدهما توفي خلال الحرب، والثاني جهاد متزوج وله ولدان ويعيشان معاً في البيت نفسه. حاز الثانوية العامة في الكويت حيث كان يعمل والده، ثم دخل الجامعة الاميركية في بيروت لدراسة الطب ونال اجازة في العلوم، سافر بعدها الى الولايات المتحدة للتخصص بالعلوم البحرية في جامعة "ويليام اند ماري" في فيرجينيا لأن الطب لم يستهوه.
عام 1983 حصل التحوّل الكبيرفي حياته: فاثناء تمضيته عطلة الصيف في لبنان تعرّض لحادث سير مروّع في بلدة فيطرون، سبب له كسراً في الفقرة الخامسة في الرقبة والعمود الفقري أدى الى شلل رباعي، وقلب مجرى حياته. نقل الى مستشفى الجامعة الاميركية في حال خطرة، وكان شبه ميت "يومها تغيّر كل شيء في حياتي. ولأني كنت تلميذاً في الطب أدركت وضعي فوراً إثر الحادث"، كما أخبرني ذات يوم في لقاء على المقاعد الخشبية في حديقة جبران خليل جبران قرب خيمة المعتقلين التي لم يفارقها يوماً.
ثلاثة اشهر في المستشفى، خرج بعدها الى مؤسسة قرطباوي في درعون - حريصا حيث بقي 20 يوماً "لكنني فضّلت العودة الى حياتي الطبيعية في البيت، وعملت على ذاتي، وأمضيت سنتين في اعادة تأهيل نفسي وتنمية قدراتي. بقيت فترة لا استطيع الجلوس على الكرسي، وكان احد الاصدقاء يجري لي جلسات علاج فيزيائي للمحافظة على العضلات ودينامية الجسم، لكنني كنت اعرف ان وضعي هذا نهائي. انهار بعض الاشخاص المقرّبين مني مثل الوالد والوالدة واصدقاء آخرين، واعتبروا انني انتهيت لأن وضعي الجسدي كان صعباً، لكنني عاهدت نفسي ألا انهار فأتعرض لأزمة نفسية. في المستشفى كنت اتابع الاخبار اليومية واقرأ الصحف والمجلات، وبقيت على اتصال مع جميع اصحابي، اناقشهم في مختلف مواضيع الساعة. لم اقبل مرة ان يعاملوني كمريض، بل اردت ان افهمهم انني لا أزال حياً وقادراً على التحدث والمناقشة". ومنذ ذلك الحين لم يتمكن من متابعة تعليمه.