رجُلُ الله

 


 

زياد حرفوش

 


مِن الناس مَنْ تحارُ في تحديد هويتهم حين تُجالسهم. لا لغموض فيهم ولا لتقصير منك في استجلائهم، بل لوفرة مواهبهم وجزالة وزناتهم، وخصوصاً خصوصاً، لانعتاقهم من كل قالب جامد وانفلاشهم نحو اللامحدود، أفقياً وعمودياً.
الأب البروفسور جورج حبيقة من هؤلاء. هو الرئيس الجديد لجامعة الروح القدس في الكسليك. فيلسوف مؤتزر ثوب راهب، وروحاني مستتر بشخصية باحث، وموسيقي متجلبب عباءة رجل دين، ومفكّر متبحّر في شؤون الدين والدنيا والعلوم، قديمها والحديث.
بكلمة، إنه رجُلُ الله. منذ البدء حباه نِعَمَ التعليم والتقديس والتدبير، فتعلَّم وعلّم، ومارس الأسرار المقدسة، ودبَّر شؤوناً راعوية وتعليمية وأكاديمية، حتى صارت الوزنات بين يديه أضعافاً مضاعفة. ولعلّ الأدعى الى الدهشة في شخصية الأب حبيقة، هو الانسياب المطلق والبيّن في كل مناحي شخصيته، والتلازم بينها كلها، حتى ليصعب فصل اللاهوتي عن المفكر، والراهب عن الانسان المسكون بالله، والجليس الأنيس عن المثَقَّف والمثقِف، والكاهن عن الرفيق. حقاً، هوذا رجُلُ الله، الواضحة يده في كل زرعه.
منذ يفاعه أحب الموسيقى، فسكبت فيه من لينها وطراوتها، ومَوْسَقت صوته الجهوري الرنان ليقرع قبة الكنيسة. وتخصص بالفلسفة فتردّد صداها نقشاً في فكره واتّساع مدًى في شخصيته. تبوأ مناصب أكاديمية عديدة، فازداد تواضعاً وامتلأ بالله، على قاعدة أنّ المراكز تكليف لا تشريف.
مَنْ يجالس الأب البروفسور حبيقة، يَنَل من الأب الاهتمام والإصغاء والحنوّ، وينهلْ من البروفسور المعرفة والعلم واللاهوت. براهينه في الإقناع قاطعة، وأسانيده في المناقشة حاضرة. ألسُنيّ إذا حادثته في اللغات، ولاهوتي في تفسير الكتاب، ومعلّم في تبسيط الفلسفة وإسقاطها على اليوميات.
إنّ جامعة رئيسها الأب جورج حبيقة، هي حقاً جامعة وشاملة وروحانية وأكاديمية، ليس لأنه طويل باعٍ في العلوم، ولا لأنّه غزير ثقافة، بل لأنه يختزن من القيم الإنسانية ما يؤهله لكل ما صاره، ويتمتع بنقاء سريرة وشفافية بصيرة يجعلانه مستحقاً ومستأهلاً. فهنيئاً.